مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العصافير التي لا تهاجر بقلم الكاتبة بثينة الصادق أحمد

العصافير التي لا تهاجر

الكاتبة بثينة الصادق أحمد (عاصي)

 

ليست كل العصافير خُلقت لتهاجر، فبعضها يُقيم في القلب كما تُقيم الذكريات الجميلة في أعماق الروح.

أراقب السماء كل موسم وأرى أسرابًا كثيرة تعبر الأفق، تبحث عن دفءٍ جديد وعن شجرةٍ لم تعرفها من قبل.

لكنني أفكر دائمًا في تلك العصافير التي تبقى.

تلك التي تعاند الفصول وتقاوم الريح وتختار أن تُكمل حكايتها في المكان نفسه.

ليس البقاء عجزًا دائمًا، فأحيانًا يكون أشجع أنواع الرحيل.

هناك أحلامٌ تشبه هذه العصافير، تمر عليها سنوات طويلة ولا تغادر أعشاشها في القلب.

نحاول أن ننساها، فنكتشف أنها تحفظ أسماءنا أكثر مما نحفظ أسماءها.

 

ونحاول أن نغلق أبواب الذاكرة، فتدخل من نافذة الحنين.

بعض الأمنيات لا تكبر معنا، بل تكبر فينا.

كم من حلمٍ قديم ما زال يجلس في زاوية الروح، ينتظر لحظةً مناسبة ليخبرنا أنه لم يمت.

 

وكم من ذكرى رفضت الهجرة من القلب، وظلت تُزهر كلما مررنا بالمكان نفسه، أو سمعنا الأغنية نفسها، أو لمحنا وجهًا يشبه الماضي.

العصافير التي لا تهاجر تعرف شيئًا لا نعرفه.

تعرف أن الانتماء ليس مكانًا فقط، بل شعورًا. وأن بعض الجذور أعمق من أن تقتلعها المواسم.

الأشياء التي نحبها بصدق، لا ترحل تمامًا.

لهذا تبقى بعض الأرواح في ذاكرتنا، حتى بعد أن يغيب أصحابها.

ويبقى لبعض الكلمات صدى، رغم أن قائلها صمت منذ سنوات.

ويبقى لبعض الطرق أثرٌ في خطواتنا، رغم أننا لم نسلكها منذ زمن بعيد.

أحيانًا أشعر أن الإنسان نفسه عصفورٌ لا يهاجر بالكامل.

فمهما ابتعد، يبقى جزءٌ منه معلقًا في نافذةٍ قديمة، أو ضحكةٍ عابرة،أو حلمٍ لم يكتمل.

نحن لا نحمل أوطاننا في حقائب السفر، بل نحملها في قلوبنا.

ولذلك، حين أنظر إلى السماء وأرى العصافير ترحل نحو الأفق، أبتسم للعصافير التي بقيت.

 

تلك التي اختارت الوفاء على الرحيل، والذاكرة على النسيان، والجذور على المسافات.

فبعض العصافير لا تهاجر،.لأن قلبها وجد سماءه منذ البداية.