العالم كله محتجزٌ فى حنجرتى
الكاتب هانى الميهى
من كتاب كل هذه القوة تجعلنى أختنق
الفصل الخامس
ليست كل الكلمات التى لا تُقال تموت. بعضها يبقى حيًا، لكنه يغيّر مكانه. يستقر فى الحنجرة، ويثقل الصوت، ويجعل الإنسان يشعر أن بين قلبه ولسانه مسافة لا يستطيع عبورها.
كان يعرف ما يريد أن يقوله. لم تكن المشكلة فى الأفكار، ولا فى اللغة، ولا فى ضيق المفردات. المشكلة أن كل كلمة كانت تبدو أصغر من أن تحمل ما بداخله. كيف يشرح سنوات من الصمت فى دقائق؟ وكيف يختصر شعورًا ظل يكبر داخله حتى صار أكبر من أى حديث؟
لهذا كان يصمت.
ولم يكن صمته راحة، بل كان عملًا شاقًا. فالكلمات التى لا تخرج لا تختفى، بل تظل تدور داخل صاحبها، تعيد نفسها كل ليلة، وتبحث عن باب فلا تجد إلا بابًا مغلقًا.
كثيرون يظنون أن أصعب ما يواجه الإنسان هو ألا يجد من يتحدث إليه، لكن الحقيقة أكثر قسوة. أصعب ما يواجهه أن يجد من يستمع إليه، ثم يشعر، رغم ذلك، أن ما يريد قوله لا يمكن أن يُقال. ليست كل المشاعر تُترجم إلى جمل، وبعضها يظل أكبر من اللغة نفسها.
ولهذا، لا يخاف الإنسان دائمًا من الرفض. أحيانًا يخاف من سوء الفهم. يخاف أن يخرج جزءًا من نفسه، فيراه الآخرون شيئًا مختلفًا تمامًا. يخاف أن يتحول ألمه، بعد كل هذا الصمت، إلى قصة عابرة فى حديث شخص آخر، أو إلى نصيحة جاهزة، أو إلى حكم سريع لا يشبهه.
ومن هنا يبدأ الاختباء.
ليس اختباء الجسد، بل اختباء الحقيقة. يعتاد الإنسان أن يتحدث عن كل شىء إلا نفسه. يناقش الأخبار، ويضحك، ويشارك الآخرين حكاياتهم، لكنه كلما اقترب الحديث منه، أغلق الباب بهدوء، كأن داخله غرفة لا يسمح لأحد بالدخول إليها.
ومع مرور الوقت، تصبح تلك الغرفة وطنًا كاملًا. يعيش فيه وحده، ويرتب فيه أحزانه، ويعيد فيه الحوارات التى لم تحدث، ويكتب الرسائل التى لن يرسلها، ويجيب عن الأسئلة التى لم يسأله أحد عنها. ثم يخرج إلى العالم بوجه هادئ، بينما يبقى العالم الحقيقى كله خلف حنجرته.
ولعل أكثر ما يؤلم فى هذا الاحتجاز أنه لا يسرق الكلام فقط، بل يسرق العلاقات أيضًا. فكم من علاقة انتهت لأن أحد الطرفين لم يعرف كيف يقول ما يشعر به؟ وكم من إنسان بدا باردًا، بينما كان يخوض معركة كاملة بين قلبه ولسانه؟ وكم من وداع حدث لأن كلمة واحدة تأخرت حتى فقدت معناها؟
لا تموت المشاعر حين نعجز عن التعبير عنها. لكنها تتغير. تتحول إلى صمت، ثم إلى مسافة، ثم إلى عادة. وعندما تصبح عادة، يظن الإنسان أن هذه طبيعته، وأنه خُلق قليل الكلام، بينما الحقيقة أنه خُلق ممتلئًا بالكلام، لكنه عاش طويلًا دون أن يجد المكان الآمن الذى يخرجه.
وربما لهذا كانت بعض الكلمات أثقل من أن تُقال، ليس لأنها صعبة، بل لأنها تحمل وراءها عمرًا كاملًا. وعندما يحمل الإنسان عمره كله فى جملة واحدة، يخشى أن تنهار الجملة قبل أن تصل.
لهذا لم يكن العالم محتجزًا فى الحنجرة لأنه بلا صوت، بل لأنه كان أكبر من أن يتسع له صوت واحد.
رسالة الفصل
ليس كل صامتٍ فارغًا من الكلام، فقد يكون أكثر الناس امتلاءً بالحكايات التى لم تجد طريقها إلى النور.
تمهيد الفصل القادم
بعد أن تعجز الكلمات عن الخروج، يبدأ الإنسان فى ارتداء وجه آخر، حتى ينسى الناس ملامحه الحقيقية.
الفصل السادس: كانوا يرون جبلًا.






المزيد
لا تبكي يا قلبي بقلم سها مراد
تذكر ضمة القبر بقلم الكاتبة إسراء حسن عبدالله
كنت أريد أن أبكى بقلم الكاتب هانى الميهى