مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

التفضيل الأبوي وصدمة الاستبعاد: قراءة نفسية في العنف الأسري

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري (خبير وباحث نفسي)

لا يقتصر العنف الأسري على الضرب أو الإيذاء الجسدي الظاهر؛ بل ثمة نوع أخفى وأعمق أثراً، وهو “العنف الرمزي” الذي يبدأ من كلمة، ومن نظرة، ومن تفضيل معلن لابن على ابنة.

حين يصبح الولد هو محور الاهتمام المطلق والبنت مجرد هامش، لا تنكسر عظامها، بل تنكسر صورتها عن ذاتها. هذه قراءة نفسية تحاول تفكيك آلية “التفضيل الأبوي” وتأثيرها كـ”صدمة استبعاد” مدمرة داخل جدران البيت.

أولاً: آليات التفضيل الأبوي الثلاث

التفضيل الأبوي هو منح أحد الأبناء امتيازات مادية أو معنوية على حساب الآخرين بدافع الجنس، أو الترتيب الرقمي، أو الشبه. نفسياً، هو شكل من أشكال “التمييز” داخل البيئة التي يُفترض أنها مصدر الأمان الأول. ويعمل هذا التفضيل عبر ثلاث آليات متداخلة:

 التمييز اللفظي: من خلال عبارات موروثة مثل “الولد عزوة” و*”البنت ستر وغطا”*، وهي كلمات ترسّخ قيمة متفاوتة للأبناء في اللاوعي الجمعي.

 التمييز السلوكي: يتجلى في مكافأة الولد وتبرير هفواته، مقابل معاقبة البنت على أدنى خطأ أو حتى على نجاحها، مع منح الحرية المطلقة له وحجبها عنها.

 التمييز الرمزي: بجعل اسم الولد وإنجازاته هي المحتفى بها في المجالس، مع تغييب تام لوجود البنت وكأنها كائن غير مرئي.

ثانياً: صدمة الاستبعاد (\bm{Exclusion\ Trauma})

في علم النفس التطوري، يحتاج الطفل إلى “التعلق الآمن” لينمو بشكل سوي، والتعلق يتغذى على الإحساس بالقبول غير المشروط. وحين تُفضّل أختها أو أخوها عليها، تتلقى البنت “صدمة استبعاد” صامتة تتسلل إلى أعماقها ببطء، وتظهر أعراضها في ثلاثة مظاهر رئيسية:

1. الشعور المزمن بالنقص: تتشكل قناعة داخلية قاسية وهي: “أنا أقل قيمة لأنني بنت”، مما يؤدي إلى انخفاض حاد في تقدير الذات (\bm{Self-Esteem}).

2. القلق المستمر والترقب: تعيش الفتاة في حالة ترقب دائم ومستنزف لرضا الأبوين، وهو رضا لن تحصل عليه مهما بلغت إنجازاتها، مما يرفع منسوب التوتر لديها.

3. الغضب المكبوت: نظراً لعدم قدرتها على مواجهة الأبوين (مصدر الأمان والرزق)، يتحول هذا الغضب إلى أعراض جسدية نفسية المنشأ (\bm{Psychosomatic})، أو عدوانية موجهة نحو الإخوة الأضعف.

الصدمة هنا مزدوجة ومربكة لعقل الطفل: صدمة من الاستبعاد في حد ذاته، وصدمة لأن الطعنة جاءت من مصدر الأمان الذي يُفترض به أن يحميها.

ثالثاً: امتداد الصدمة إلى شخصية المرأة في الكبر

لا تنتهي صدمة الاستبعاد بمرحلة الطفولة، بل تمتد لتشكل الملامح السلوكية والمهنية للشخصية الأنثوية في المستقبل:

 في العلاقات العاطفية: تميل إلى سلوك “إرضاء الآخرين” (\bm{People-Pleasing}) على حساب نفسها، أو تختار شريك حياة يعيد إنتاج نفس النمط الذكوري الإقصائي الذي عاشته في بيت أهلها.

 في بيئة العمل والطموح: تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مر؛ إما أن تبالغ في إثبات ذاتها بشكل هوسي كرد فعل على إهمال الماضي فتقع في فخ الاحتراق الوظيفي (\bm{Burnout})، أو تتجنب المنافسة تماماً لاعتقادها المسبق بالهزيمة.

 في الأمومة اللاحقة: قد تكرر النمط لا شعورياً مع بناتها، أو تفرط في تعويضهن بشكل مبالغ فيه فتصنع صراعاً جديداً ومفتعلاً بين الإخوة.

فاتورة الولد المفضّل: حتى الابن الذي حظي بالتفضيل يدفع ثمناً نفسياً باهظاً، إذ يعاني من “متلازمة الطفل المفضّل” التي تورثه النرجسية، وعدم تحمل المسؤولية، والخوف المرضي من الفشل لأنه لم يتعلم مواجهة عواقب أفعاله.

رابعاً: الدوافع النفسية والثقافية وراء التفضيل

التفضيل ليس شراً مطلقاً ينبع من كراهية مجردة، بل هو انعكاس لبرمجة وثقافة موروثة ممتلئة بالمخاوف:

 خوف اجتماعي: من كلام الناس ونظرتهم؛ كالمقولة الشائعة “عيب ما يكون لكم ولد يحمل اسم العائلة”.

 خوف اقتصادي: متوارث من اعتقاد قديم بأن الولد هو الضمان المادي الوحيد والدرع الحامي في الكبر.

 إسقاط نفسي: الأب الذي شعر بالنقص في طفولته يريد ابناً يعوضه، والأم التي قُمعت تاريخياً تريد ابنة مطيعة لا تكرر تمردها؛ فيتحول الخوف إلى عنف يتوارثه الأجيال دون وعي.

خاتمة وجرعة شفاء:

الامتداد المعرفي يقرر أن الاعتراف بأن التفضيل هو “عنف رمزي” يشكل الخطوة الأولى نحو الشفاء. الأسرة السوية نفسياً هي التي تمنح كل طفل مساحته وقيمته المستقلة تماماً عن جنسه أو ترتيبه.

الحل لا يكمن في جلد الأهل، بل في “إعادة التأطير المعرفي” لديهم؛ أن يفهم الأبوان أن كرامة البنت لا تنقص من كرامة الولد، وأن الأمان النفسي للأبناء أبقى من رضا المجتمع. الشفاء يبدأ عندما تتوقف عبارة “عقبال الولد” عن كونها حكماً بالإعدام النفسي على البنت، وتبدأ عندما يرسخ في وعي كل فتاة: أنتِ كاملة، وأنتِ كفاية.