مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

Overthinking.. ضجيج العقل الذي لا يهدأ

بقلم: رِهام أحمد بدوي

في داخله ضجيج مستمر لا يهدأ أبداً؛ وكأن عقله غرفة مغلقة ممتلئة بنوافذ كثيرة مفتوحة على كل الاحتمالات الممكنة والمستحيلة، وكل نافذة منها تُطل بدورها على سؤال جديد لا ينتهي.

هو شخص يفكّر أكثر مما ينبغي؛ لا لأنه يحب التعقيد أو يصنعه، بل لأنه يحاول بشتى الطرق أن يفهم كل شيء حوله بعمق شديد يرهقه ويستنزف طاقته. يرى التفاصيل الصغيرة جداً وكأنها إشارات خفية، ويعيد سيناريوهات المواقف في ذهنه عشرات المرات: “ماذا لو قلت كذا؟ ماذا لو فُهِمتُ خطأ؟ ماذا لو تغيّر كل شيء بسبب لحظة عابرة؟”.

أولاً: صراع الأفكار والصوت الداخلي

أفكاره لا تصمت حتى في أهدأ اللحظات وأكثرها سكينة؛ تمشي خلفه كظله أينما ذهب، تهمس له بأسئلة معقدة لا تطلب إجابة واحدة بسيطة.

يبتسم بلطف أمام الآخرين ويشاركهم التفاصيل، لكن في داخله يدور حوار طويل ومعقد لا يتوقف لحظة واحدة. يحاول باستماتة أن يطمئن نفسه، ثم يعود القلق فوراً متجسداً في هيئة فكرة جديدة تُربك حسابه من جديد.

ثانياً: رهافة الحس وعالم موازي

هو ليس شخصاً ضعيفاً كما قد يظن البعض، بل إنسان شديد الإحساس والرهافة؛ يرى بعين قلبه ما لا يُقال، ويشعر بعمق بما لا يلاحظه الآخرون العابرون.

يتعب ويستنزَف كلياً من كثرة التفكير، ومع ذلك لا يعرف كيف يمتلك المفتاح لإطفاء هذا الصوت الداخلي المزعج؛ يشعر وكأن هناك أكثر من صوت في داخله يتكلمون جميعاً في الوقت ذاته.

ثالثاً: في أعماق “نقطة بيضاء” و”حاجات جوايا”

وفي النهاية… هو إنسان بسيط في ظاهره الخارجي وفي تعاملاته، لكن عقله عالم كامل ومتلاطم لا يهدأ أبداً.

وهذا الصراع الداخلي الخفي هو بالظبط ما صاغته الموسيقى الصادقة وجسّدته كلمات فرقة كايروكي والفنان أمير عيد؛ ذلك التمزق النفسي بين ظاهر يتظاهر بالثبات، وداخل يغلي بعشرات الأسئلة والأصوات المتضاربة.

“في حاجة جوايا بتتغير.. وحاجات جوايا بتتكسر”

“نقطة بيضاء في وسط الضلمة.. صوت جوه دماغي مش بيسكت”

تلك الكلمات لم تكن مجرد ألحان عابرة، بل كانت ترجمة حقيقية ومرآة صادقة لهذا العقل الذي يرى كل الاحتمالات، ويغرق في تفاصيل لا يراها أحد غيره، ويحاول كل يوم أن ينجو من “ضجيج أفكاره”.