بقلم: رِهام أحمد بدوي
الزمن كالفنان الصامت؛ لا يتكلم، لكنه يمضي بدقةٍ وتؤدة بإذن الله ليرسم تفاصيل حياتنا لحظةً بلحظة؛ حاضرنا، ماضينا، وما كُتب لنا في الغيب من مستقبل.
طفولتي كانت لوحة زاهية الألوان، كأنها رُسمت ببهجة الأحمر والأزرق والأصفر؛ ألوان الفرح والبساطة الأولى. وكنت كلما تأملت لوحة حياتي أجد في وسطها شمعةً مضيئة باللون الأحمر الدافيء، تتجدد ألوانها وتتوهج مع مرور الأيام؛ لأن الله عز وجل ما زال يمنحني حياة مليئة بالأمل والرحمة.
أولاً: لهب الشمعة ونور التجارب
ومع تقدّم العمر وتتابع السنوات، لاحظت أن لهب تلك الشمعة يكبر وحجمها يزداد ناصعاً، فسألت نفسي بتأمل عن السبب، فكان الجواب يتردد صدام في قلبي:
كلما كبر الإنسان في رحلته، ازدادت ابتلاءات الحياة، وكثرت الدروس والتجارب؛ لكن ما دام يتعلم من كل عثرة، ويقوم بشجاعة بعد كل سقوط، فإن نور الأمل لا ينطفئ أبداً بإذن الله.
سكتُّ قليلًا أمام هذه الحقيقة، وأدركت أن القوة الثابتة هي نعمة محض من الله، فحمدته سبحانه عليها حمداً كثيراً.
ثانياً: اللوحة المظلمة وابتلاء الصمت
ثم تمنيت في لحظة صفاء أن أرى لوحة حياة إحدى صديقاتي المقربات، فوجدتها في مخيلتي مليئة باللونين الأسود والرمادي الداكنين! تعجبت كثيراً، وسألت نفسي في ذهول: “أحقاً حياتها مليئة بكل هذا السواد؟”.. فهي دائمًا تبتسم، وتضحك بيننا، ولا تُظهر حزنها أو ألمها لأحد.
وهنا أدركت أن الله قد يبتلي بعض عباده بابتلاءات خفية لا يظهرونها للناس، لحكمةٍ بالغـة يعلمها سبحانه، وأن أقسى وأشد الابتلاءات قد تأتي أحياناً من أقرب الناس إلى القلب.
تأملت لوحتها أكثر، فوجدت فيها طريقاً طويلاً مليئاً بالتعرجات والضباب الخانق. وفهمت أن كثرة الصعوبات المتراكمة، مع الاستسلام للتشاؤم وعدم التعلّم من الأخطاء الماضية، قد تجعل الإنسان يرى الحياة سوداء مظلمة، فيحجبه الضباب النفسي عن رؤية النور والفرج الذي وضعه الله حتماً في نهاية الطريق.
ثالثاً: الدعاء بالسلام والتعافي
حزنتُ كثيراً لأجلها، وغادرتُ ذلك التأمل وأنا أدعو الله بقلب صادق أن يحفظ قلبي وقلوب من أحب من الظلام، وأن يجعل لوحة حياتي دائماً مضيئة بنوره وتوفيقه.
وتعلّمت من هذه الرحلة التأملية:
أن الابتلاء سنة إلهية جارية في هذا الكون.
أن التعامل الصحيح والواعي مع الصعوبات هو ما يجعل حياتنا أجمل وأعمق.
أن التشاؤم ليس إلا ضباباً زائفاً يحجب رؤية رحمة الله الواسعة، بينما التفاؤل وحسن الظن بالله نور يهدي القلب حتى آخر الطريق.
رابعاً: رسالة إلى كل قلب أرهقه الكتمان
عند الشعور بالضيق والإنهاك، يُفضل دائماً اللجوء إلى الله بالدعاء والشكوى، وعدم الكتمان والتقوقع على الذات؛ فاحكِ ما بداخلِك، ولا تحمل الهم بمفردك، لأن الكتمان أثقل وأعتى من الأثقال الجسدية.
ولا تستسلم أبداً للظروف؛ حاول، وافشل، ثم أعد المحاولة بشغف حتى تنجح؛ لا تيأس أبداً من روح الله. فمهما ضاقت عليك الدنيا واستحكمت حلقاتها، فكل هذا ما هو إلا ابتلاء وتنقية من ربنا ليختبر قوة إيماننا وصبرنا… لا أكثر.






المزيد
المحترم في العلن.. السام في الخفاء
Overthinking.. ضجيج العقل الذي لا يهدأ
عنصر لا ينتمي للمجموعة