مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عنصر لا ينتمي للمجموعة

بقلم: رِهام أحمد بدوي

جميعنا درسنا في مقتبل العمر قواعد الرياضيات، ونعلم يقيناً أن هذه العلامة التجريدية تعني رياضياً: (العنصر لا ينتمي إلى المجموعة).

لكنني مع تدفق الأيام ومرور الوقت، اكتشفت أنه يمكننا استعارة هذا الرمز الصارم للتعبير عن شيء أعمق بكثير في عمق النفس البشرية؛ إنه يجسد بدقة شعور الإنسان حين يجد نفسه مجبراً على التواجد وسط مجموعة من الأشخاص، لكنه في الحقيقة والوجدان لا يشعر بأي قاسم مشترك أو انتماء حقيقي إليهم أبداً.. إنه باختصار: شعور الغربة القاتل وسط الصخب.

لن أتعمق كثيراً في تلافيف هذا الموضوع المعقد، لكنني سأتحدث عن أبعاده بإيجاز يلامس الوعي.

أولاً: وحيدٌ وسط الزحام

إن شعور عدم الانتماء يشبه تماماً أن تكون غير قادر بالمرة على الاندماج العاطفي أو الفكري مع من يحيطون بك؛ وكأنك ذرة وحيدة تتحرك وسط زحام خانق، وشخص غريب يبحث عن نفسه حتى بين أحبته.

هذا الإحساس المرير الذي يراودك في المنتديات والاجتماعات العائلية أو العملية بأنك مجرد جسد فيزيائي يتحرك بلا روح، وربما يكون أدق تشبيه ملموس لهذا الشعور النفسي هو: عنصر لا ينتمي إلى المجموعة (\bm{\in\notin}).

قد يبتسم هذا العنصر المغترب معهم مجاملة، ويضحك لحديثهم، ويشاركهم أطراف الكلام، لكنه في عمق أعماقه لا يزال متوشحاً بشعور الغربة والمسافة الواسعة التي تفصله عنهم.

ثانياً: جذور الاغتراب النفسي

غالباً ما يكون هذا الإحساس المؤلم ناتجاً عن فجوة حقيقية في كواليس الشخصية، وتعود لعدة أسباب:

 تباين الوعي: الاختلاف الجذري في طريقة التفكير، والمبادئ، والاهتمامات، والزاوية التي يرى منها الإنسان تفاصيل الحياة.

 غياب التقدير: عدم وجود شريك أو صديق يفهم أبعادك النفسية حقاً، أو شعورك المستمر بالتجاهل وعدم التقدير من المحيط.

 عمق الطرح: أحياناً يكون السبب ببساطة أنك شخص عميق الإحساس والتحليل؛ لذلك يبدو لك معظم الآخرين سطحيين بعض الشيء، فتجد نفسك عاجزاً بنيوياً عن الانسجام مع اهتماماتهم الهامشية.

ثالثاً: ندوب العزلة وآثارها الصامتة

ومع مرور الوقت وتراكم هذه المواقف، يترك هذا الاغتراب الاجتماعي آثاراً سلبية غائرة في السلوك:

 الصمت الاختياري: قد يصمت هذا “العنصر” تماماً وينكفئ على ذاته، رغم أن داخله يغلي بمخزون ممتلئ من الكلام والأفكار، لكنه يفضل الاحتفاظ بكل شيء لنفسه لعلمه ألا أحد سيفهمه.

 الوحدة المزدحمة: يعيش حالة من الوحدة الروحية رغم ضجيج وازدحام من حوله.

 المراقبة الصامتة: يميل إلى اتخاذ مقعد المراقب للتفاصيل بدلاً من دور المشارك الفعلي، وكأن العزلة الواعية أصبحت هي طريقته المثالية وحيلته الدفاعية للنجاة بسلام.

رابعاً: معضلة الاندماج و”المحاطون بالحمقى”

وقد يتساءل هذا الإنسان في حواره الذاتي اليومي تساؤلاً مكرراً: “لماذا لا أستطيع الاندماج مثل بقية البشر؟”

الإجابة على هذا السؤال متشعبة وطويلة، لكن الكاتب الشهير توماس إريكسون تناول جزءاً جوهرياً من هذه الفكرة في كتابه الشهير “محاط بالحمقى” (Surrounded by Idiots) عبر نظام تحليل الشخصيات السلوكي العالمي (\bm{DISC}). حيث يقسم هذا النظام الشخصيات البشرية إلى أربعة ألوان رئيسية تحكم تصرفاتنا:

 الأحمر: القيادي الحازم والمندفع.

 الأصفر: الاجتماعي الحيوي والمحب للأضواء.

 الأخضر: الهادئ الودود والمحب للاستقرار.

 الأزرق: التحليلي الدقيق والمنظم للغاية.

وربما تكون أنت في حقيقتك مزيجاً نادراً وخاصاً من صفات وتركيبات نفسية لا تشبه بتاتاً الأنماط التقليدية للأشخاص المحيطين بك في بيئتك الحالية؛ لذلك تشعر دائماً، وبشكل حتمي، أنك ذلك العنصر الفريد الذي…