قرار البعد والفرار
الكاتب هانى الميهى
آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة
الفصل العاشر
فرأيتُ أن قرار البعد والفرار من تلك البيئة هو القرار السليم
السر
أحيانًا لا يكون الرحيل هروبًا من الناس، بل هروبًا بما تبقى من نفسك قبل أن تضيع.
هناك قرارات لا يتخذها الإنسان بعقله وحده، بل يتخذها بعد أن يكون قلبه قد استنفد كل ما يملك من احتمال. قرارات لا تولد فى لحظة غضب، ولا فى ساعة يأس، وإنما تنضج ببطء، حتى تصبح البقاء نفسه هو الأمر الذى يحتاج إلى تبرير.
لم يكن قرارى وليد خلاف عابر، ولا نتيجة كلمة قاسية سمعتها ذات يوم. لقد جاء بعد سنوات طويلة كنت أؤجل فيها الرحيل، لأننى كنت أخشى أن أكون أنا المخطئة، أو أن أكون قد استعجلت الحكم، أو أن يكون الغد أفضل من اليوم.
لكن الغد كان يأتى وهو يحمل الصورة نفسها.
وكنت أنا التى أتغير.
كنت أشعر أن شيئًا فى داخلى يذبل كل يوم، ليس لأن الحياة كانت صعبة، بل لأننى كنت أعيش فى مكان أصبح الصواب فيه غريبًا، حتى صار التمسك به يحتاج إلى مقاومة دائمة.
وعندها سألت نفسى سؤالًا لم أكن أملك الشجاعة لطرحه من قبل:
إذا كان المكان يهدد قلبى كل يوم… فهل يكون البقاء فيه فضيلة؟
أحيانًا يظن الناس أن الرحيل ضعف.
ويظنون أن الصبر يعنى أن يبقى الإنسان حيث يتألم إلى آخر عمره.
لكنهم ينسون أن الله لم يأمرنا بالبقاء فى الفتنة، بل أمرنا أن نحفظ قلوبنا منها. فليس كل بقاء بطولة، وليس كل رحيل هزيمة.
هناك أماكن لا تسرق المال…
بل تسرق الطمأنينة.
ولا تهدم الجسد…
بل تهدم المبادئ، شيئًا فشيئًا، حتى يستيقظ الإنسان يومًا فلا يعرف نفسه.
ولم أكن أخاف على نفسى وحدى.
كنت أنظر إلى عينى أبنائى، وأتساءل: ماذا يتعلم الطفل عندما يرى الخطأ يتكرر كل يوم؟ وماذا يبقى فى قلبه عندما يكبر وهو يظن أن الحرام مجرد طريقة أخرى للعيش؟
كنت أعرف أن الطفل لا يحفظ كلماتنا كما يحفظ مشاهد حياته.
ولهذا لم أعد أبحث عن راحتى.
كنت أبحث عن بيئة لا تضطرنى كل صباح إلى تفسير ما أرفضه، ولا إلى تبرير ما لا أؤمن به.
كان القرار مؤلمًا.
فالرحيل عن المكان سهل، لكن الرحيل عن أشخاص عشت بينهم سنوات ليس سهلًا أبدًا. كنت أعرف أننى سأدفع ثمن هذا القرار من وحدتى، ومن غربتى، ومن تعب الأيام المقبلة.
ومع ذلك…
كان هناك ثمن أكبر لو بقيت.
ثمن لا يُدفع من المال، بل من القلب.
فبعض البيئات لا تقتلك دفعة واحدة، لكنها تُطفئ نورك قليلًا قليلًا، حتى تعتاد الظلام دون أن تشعر.
ولذلك لم يكن فرارى من تلك البيئة فرارًا من مسئولية، بل كان حفاظًا على مسئولية أكبر.
مسئولية أن أبقى كما عرفنى الله.
أن أكبر وأنا ما زلت أفرق بين الحلال والحرام.
أن يرى أبنائى فى أمهم إنسانة قد تتعب، وقد تبكى، وقد تنهزم أمام الحياة أحيانًا، لكنها لا تنهزم أمام ضميرها.
وحين خرجت…
لم أشعر أننى انتصرت.
ولم أشعر أننى هزمت أحدًا.
كل ما شعرت به أننى حملت قلبى بين يدى، وابتعدت به قبل أن يصبح غريبًا عن نفسه.
رسالة الفصل
ليست كل مغادرة هروبًا، فبعض الأبواب نغلقها لأن بقاءها مفتوحة كان سيغلق بابًا أهم… باب السلام مع الله.
تمهيد الفصل الحادى عشر
لكننى لم أرحل بحثًا عن راحتى…
بل رحلت لأن حلمًا واحدًا كان يستحق أن أضحى بكل شىء من أجله.
“فقط أردت أن أُنبت أبنائى نباتًا طيبًا بعيدًا عن شرور نفس الأهل وأموالهم الحرام.”






المزيد
من ستكون أنت بقلم سها مراد
رواية قلب صامت يعشق بقلم إيمان يوسف أحمد
أخبريني عن وجعكِ بقلم الكاتب : فلاح كريم العراقي