بقلم: رِهام أحمد بدوي
يولد الإنسان على فطرته النقية صفحة بيضاء لا تحمل سوى البراءة؛ غير واعٍ كلياً بما يدور حوله، ولا مدرك لتعقيدات هذا العالم وشباكه.
ومع تدفق السنين وتراكم المواقف والتجارب، يبدأ وعيه الإنساني في التشكل والتجذر، وتتغير طريقة تفكيره ونظرته للأشياء؛ فيصبح أكثر فهماً وإدراكاً لكيانه الداخلي وللعالم المتلاطم من حوله.
أولاً: شرارة التحول في اللحظات العابرة
لكن حديثنا هنا ليس عن المفهوم التقليدي لمراحل النضج العمري، بل عن تلك اللحظات الخاطفة والصغيرة التي قد تمر في أوقاتنا كأنها لا شيء يُذكر، بينما هي في حقيقتها المكتومة تشكل نقطة تحوّل كاملة وحاسمة في مسار حياة الإنسان.
فالإنسان بطبعه الكوني كائن رقيق الإحساس، يتأثر بالكلمة الدافئة، بالنظرة الموحية، وبالمواقف العابرة. أحياناً يكون موقف بسيط لا يتجاوز في مداه الزمني ثواني معدودة، كفيلاً بأن يغيّر مسار حياة شخص كلياً بمقدار مائة وثمانين درجة!
ثانياً: مدرسة التجارب والدروس التراكمية
إن تجربة صغيرة قد تبدو سطحية وعابرة في ظاهرها، قد تحمل في باطنها دروساً ومواقف عميقة؛ لا درساً واحداً وحسب، بل سلسلة ممتدة من العبر التي تعيد هيكلة أفكارنا، وقراراتنا المصيرية، ومنظوراتنا الفكرية للأشياء.
ويُقال في أدبيات علم النفس: إن أغلب التجارب التي تتحول إلى عبرة لا تُنسى، تبقى حية وراسخة في عمق العقل الباطن. والسبب في ذلك أن العقل البشري لا ينسى أبداً ما شَكّل لديه ألماً حاداً أو أثراً نفسياً قوياً.
ثالثاً: العقل الباطن والبوصلة الداخلية
فعندما نقترب في مستقبلنا من تكرار التجربة ذاتها، يستحضرها العقل الباطن فوراً من كواليسه، وكأنه يهمس في وجداننا بتحذيرٍ واِع: “انتبه! لقد مررت بهذا المنعطف من قبل”.
سواء كانت تلك التجربة مؤلمة وموجعة، أو جميلة ومبهجة، فإنها تتحول تلقائياً إلى مرجع داخلي وبوصلة واعية توجّه خطواتنا القادمة وتصون مسارنا.
خاتمة ورسالة:
وهكذا هي الحياة… قد لا تُغيرنا الأحداث والخطوب الكبيرة الشاخصة بقدر ما تُغيرنا تلك “الذرة” الصغيرة التي تسقط في لحظة غفلة، لكنها تترك في عمق الروح أثراً خالداً لا يُمحى أبداً.






المزيد
سُبُل اتباع القطيع خيرٌ من الوحدة…
أين كان عقلي؟
السم في العسل: ملامح الشخصية المؤذية وأساليب التعامل معها