العزلة التى اخترناها
الكاتب هانى الميهى
الفصل الثالث عشر
السر
ليست كل وحدة مفروضة علينا؛ أحيانًا نبنى حول أنفسنا جدارًا، ثم نقضى سنوات نتساءل لماذا لم يعد أحد يصل إلينا.
فى البداية، كنا نخاف الوحدة.
نبحث عن الناس.
ننتظر الهاتف أن يرن.
نفرح حين يصلنا أحد.
ونحزن حين يغيب.
ثم حدث شيء لم ننتبه إليه.
أصبحنا نختار الوحدة أحيانًا.
نغلق الباب.
نضع الهاتف على الصامت.
نعتذر عن اللقاء.
نؤجل الزيارة.
ثم نقول لأنفسنا:
أنا أحتاج إلى بعض الوقت وحدي.
وقد يكون ذلك صحيحًا.
فالإنسان يحتاج إلى العزلة كما يحتاج إلى الهواء.
لكن هناك فرقًا بين أن تختار العزلة لتستعيد نفسك…
وأن تختارها لأنك لم تعد تثق بأحد.
هناك عزلة تشبه الاستراحة.
وعزلة تشبه السجن.
الأولى تعيدك إلى الناس أكثر هدوءًا.
والثانية تجعلك تخاف العودة إليهم.
الأولى تقول:
“أحتاج إلى أن أكون وحدي قليلًا.”
والثانية تقول:
“لا أريد أحدًا.”
والفرق بين الجملتين…
قد يكون عمرًا كاملًا.
ربما بدأ الأمر بخيبة صغيرة.
شخص وثقت به ولم يكن أهلًا للثقة.
صديق اختفى حين احتجته.
علاقة انتهت بطريقة لم تتوقعها.
كلمة قاسية من شخص كنت تظنه أمانًا.
ومع كل تجربة…
تعلم القلب درسًا خاطئًا:
لا تقترب كثيرًا… حتى لا تتألم.
فيبدأ الإنسان بإغلاق النوافذ واحدة بعد أخرى.
ثم يكتشف بعد سنوات أن الهواء نفسه لم يعد يدخل.
الغريب أن التكنولوجيا جعلت هذا النوع من العزلة أكثر سهولة.
لم تعد تحتاج إلى أن تقول لأحد:
“اتركني.”
يكفى ألا ترد.
أن ترى الرسالة وتؤجلها.
أن تختفى يومين.
أن تقول إنك مشغول.
أن تضع العالم كله خلف شاشة مغلقة.
يمكنك أن تكون متصلًا…
دون أن تكون حاضرًا.
وهذه ربما إحدى أكثر صور العزلة خداعًا.
أحيانًا نختبئ خلف عبارة:
“أنا أحب الوحدة.”
لكن هل نحب الوحدة حقًا؟
أم أننا نحب ألا يطالبنا أحد بشىء؟
ألا يسألنا أحد عن ضعفنا؟
ألا يقترب أحد من الأماكن التى تؤلمنا؟
هناك فرق.
فالإنسان الذى يحب العزلة يستطيع أن يعود.
أما الذى يخاف القرب…
فهو لا يملك مفتاح العودة.
لا بأس أن تغلق بابك قليلًا.
لا بأس أن تحتاج إلى الصمت.
لا بأس أن ترفض بعض اللقاءات.
فالإنسان ليس آلة اجتماعية تعمل طوال الوقت.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الباب المغلق أسلوب حياة.
حين تتحول الحماية إلى حصار.
وحين يصبح عدم الثقة فلسفة.
وحين نستخدم كلمة “الراحة” لإخفاء خوف أعمق:
الخوف من أن نحتاج إلى أحد.
أحيانًا تكون العزلة كبرياءً مقنعًا.
نقول:
“لا أحتاج أحدًا.”
لكن الحقيقة أننا نحتاج…
ثم نخجل من الحاجة.
فنفضل أن نتألم وحدنا على أن نعترف بأن وجود إنسان آخر قد يخفف عنا شيئًا.
وهنا يصبح الاستقلال قسوة على النفس.
فالإنسان ليس ضعيفًا لأنه يحتاج.
ولا ناقصًا لأنه يطلب المساندة.
ولا مهزومًا لأنه يقول:
“ابقَ إلى جوارى.”
ربما أكثر ما نحتاج إليه اليوم ليس أن نخرج من كل عزلة…
بل أن نسأل أنفسنا بصدق:
لماذا دخلناها أصلًا؟
هل دخلناها لأننا وجدنا فيها السلام؟
أم لأننا فقدنا القدرة على الثقة؟
هل نحن وحدنا لأننا اخترنا ذلك؟
أم لأننا خُذلنا حتى أقنعنا أنفسنا أن الوحدة أفضل؟
هذا السؤال قد يكون مؤلمًا…
لكنه صادق.
العزلة الصحية تعيدك إلى نفسك.
أما العزلة التى تصنعها الجراح…
فتجعلك تنسى كيف تعود إلى الآخرين.
ولهذا لا أريد أن أقول للإنسان:
“لا تكن وحيدًا.”
بل أقول له:
اعرف نوع وحدتك.
فبعض الأبواب نغلقها لنرتاح…
وبعضها نغلقها لأننا نخاف أن يدخل منها أحد.
والفرق بينهما…
هو الفرق بين العزلة والسلام.
ربما نحتاج، بين حين وآخر، إلى أن نفتح نافذة صغيرة.
رسالة قديمة.
زيارة مؤجلة.
مكالمة بلا مناسبة.
كلمة بسيطة:
“كيف حالك؟”
فقد لا نحتاج إلى عودة كبيرة إلى العالم.
ربما يكفى أن نسمح لشخص واحد أن يقترب.
ليس لينقذنا…
بل ليذكرنا أننا لم نُخلق لنحمل كل شيء وحدنا.
رسالة الفصل
العزلة تصبح مؤذية حين لا تعود مكانًا نذهب إليه لنستعيد أنفسنا، بل مكانًا نختبئ فيه حتى لا يرانا أحد على حقيقتنا.
تمهيد الفصل الرابع عشر
وإذا كنا قد وصلنا إلى هذه الدرجة من البعد عن أنفسنا وعن الآخرين، فهل يمكن أن نستعيد إنسانيتنا دون أن نهرب من العالم الذى صنعناه بأيدينا؟






المزيد
استعادة الإنسان بقلم الكاتب هانى الميهى
أن تكون قريبًا بقلم الكاتب هانى الميهى
خلف زجاج العجز بقلم خالد محمد شعبان