مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى

من أين تُقاد؟
كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر
الكاتب هانى الميهى

الفصل السابع: الغرباء داخل أنفسهم
في مرحلة ما من الحياة،
قد ينظر الإنسان إلى نفسه فجأة…
ويشعر بغرابة لا يفهمها.
كأن هناك مسافة خفية
بينه وبين روحه،
مسافة لم تُخلق في يوم واحد،
بل تراكمت بهدوء
على مدار سنوات طويلة.
الأمر لا يحدث بصورة درامية دائمًا،
ولا يحتاج إلى انهيار كبير،
أو خسارة قاسية،
بل أحيانًا
يحدث بشكل أكثر هدوءًا مما نتخيل.
يتغير الإنسان قليلًا
حتى يتأقلم.
يصمت في أماكن
كان يتكلم فيها بحرية،
ويوافق على أشياء
لم يكن يقبلها من قبل،
ويتنازل عن أجزاء صغيرة من نفسه،
ظنًا منه
أنها مجرد تنازلات مؤقتة
حتى تمر الحياة بسلام.
لكن المشكلة،
أن الأشياء الصغيرة
لا تبقى صغيرة دائمًا.
ومع الوقت،
تتراكم التنازلات،
ويتراكم التعب،
ويعتاد الإنسان النسخة الجديدة منه،
حتى يصبح غريبًا
عن الشخص الذي كانه يومًا.
بعض الناس
لا يتغيرون لأنهم يريدون،
بل لأن الحياة
دفعتهم تدريجيًا
إلى شخصيات لم يختاروها بالكامل.
شخص كان بسيطًا،
فصار حذرًا أكثر مما ينبغي.
وشخص كان ممتلئًا بالحماس،
فصار يمر على أيامه
ببرودٍ غريب.
وآخر كان يحب الحياة،
ثم استيقظ يومًا
فاكتشف أنه فقط
“يؤديها”.
الأصعب من ذلك،
أن كثيرين لا يلاحظون ما يحدث
إلا متأخرًا جدًا.
حين يشعرون فجأة
أنهم يعيشون حياة
تبدو مناسبة من الخارج،
لكنها لا تشبههم من الداخل.
يذهبون إلى أماكن لا يحبونها،
ويتحدثون بطريقة لا تُشبههم،
ويضحكون أحيانًا
في أوقات لا يشعرون فيها بأي فرح حقيقي.
وكأن الإنسان
كلما حاول النجاة أكثر،
ابتعد عن نفسه أكثر.
في عصر السرعة الحالي،
أصبح هذا الشعور أكثر انتشارًا من أي وقت مضى.
لأن العالم لا يمنح الإنسان
وقتًا كافيًا
ليسأل نفسه الأسئلة الحقيقية.
ماذا أريد فعلًا؟
ما الذي يريحني؟
هل ما أعيشه يشبهني حقًا؟
أم أنني فقط
تأقلمت أكثر من اللازم؟
ولهذا،
يعيش كثير من الناس
في حالة غريبة جدًا:
هم موجودون…
لكنهم غير حاضرين بالكامل.
يفعلون المطلوب منهم،
ويكملون الأيام،
ويتحدثون بشكل طبيعي،
لكن شيئًا ما بداخلهم
منطفئ منذ فترة طويلة.
ولأن العالم مشغول دائمًا،
فنادراً ما ينتبه أحد
إلى هذا النوع من الضياع.
فالإنسان لا يبدو مكسورًا،
ولا يطلب النجدة،
ولا ينهار بصورة واضحة،
لكنه من الداخل
بعيد جدًا عن نفسه.
وهذا أخطر من التعب أحيانًا.
لأن المتعب
يعرف أنه متعب،
أما الغريب عن نفسه،
فقد يظن أن ما يعيشه
هو الحياة الطبيعية.
ولهذا،
تمر سنوات على بعض الناس
دون أن يشعروا أنهم عاشوا فعلًا.
كل شيء كان يحدث بسرعة:
الدراسة،
العمل،
المسؤوليات،
العلاقات،
الضغوط،
ومحاولات النجاة اليومية.
حتى ضاعت منهم أشياء كثيرة
دون ضجيج.
أحلام قديمة،
ونسخ بريئة منهم،
وأماكن كانت تمنحهم السلام،
وأشخاص كانوا يشبهونهم أكثر.
لكن رغم ذلك،
يبقى داخل الإنسان دائمًا
صوت خافت جدًا،
يحاول أن يذكره بنفسه الحقيقية.
يظهر أحيانًا
في لحظة هدوء نادرة،
أو في حنين مفاجئ،
أو في شعور غامض
أن كل ما حوله لا يكفيه.
ذلك الصوت
ليس ضعفًا كما يظن البعض،
بل ربما
آخر جزء حيّ
يحاول أن ينقذه من الضياع الكامل.
ولهذا،
فإن العودة إلى النفس
لا تبدأ دائمًا بتغيير العالم،
بل بالتوقف قليلًا،
والإنصات بصدق
لما أهملناه طويلًا بداخلنا.
فبعض الناس
لا يحتاجون إلى حياة جديدة،
بل يحتاجون فقط
أن يعودوا لأنفسهم
قبل أن ينسوها تمامًا.
رسالة الفصل:
أخطر أنواع الضياع أن يبتعد الإنسان عن نفسه تدريجيًا حتى يصبح غريبًا عنها دون أن يشعر.
تمهيد الفصل القادم:
لكن حين يبتعد الإنسان طويلًا عن نفسه…
يبدأ في البحث عن أي شيء
يعطيه شعورًا مؤقتًا بالحياة،
حتى لو استنزفه بالكامل.