حكاية كتاب قديم/بثينة الصادق أحمد (عاصي)
في زاويةٍ هادئةٍ من الرف،
كانَ كتابٌ قديمٌ ينامُ تحتَ غبارِ السنوات.
لم يكن الأجملَ بينَ الكتب ولا الأكثرَ لمعانًا، لكنَّ الزمنَ كانَ قد كتبَ على غلافهِ حكاياتٍ لا تُرى.
كلُّ صفحةٍ فيهِ كانت تشبهُ نافذةً مفتوحةً على عمرٍ آخر وكلُّ سطرٍ يحملُ أنفاسَ قارئٍ مرَّ من هنا.
الكتبُ القديمةُ لا تشيخ، بل تزدادُ امتلاءً بالأرواح.
حينَ فتحتُهُ لأولِ مرة، تساقطَ من بينِ صفحاتهِ وردٌ يابس، كأنَّ أحدًا أحبَّ يومًا ثم تركَ قلبَهُ بينَ السطور.
وجدتُ خطوطًا باهتةً بقلمٍ مجهول وعلاماتِ تعجبٍ عندَ بعضِ الجمل وكأنَّ قارئًا قديمًا كانَ يتحاورُ مع الكاتبِ بصمت.
أدركتُ عندها أنَّ الكتبَ ليست أوراقًا فقط، بل أوطانٌ صغيرةٌ للذكريات.
بعضُ الكتبِ لا نقرأها، بل نعيشُ داخلها.
كانَ ذلكَ الكتابُ يعرفُ أشياءَ كثيرة، شهدَ أفراحًا مرَّت كنسمة وأحزانًا استقرت طويلًا بين الصفحات.
وحملَ بين دفتيهِ أحلامَ أناسٍ لم ألتقِ بهم يومًا، لكنني شعرتُ أنني أعرفهم.
كلما قلّبتُ أوراقه، سمعتُ خشخشةَ الزمن، كأنَّ السنواتِ تتحدثُ بلغةٍ لا يفهمها إلا العاشقون للكلمات.
الكتابُ القديمُ يشبهُ صديقًا وفيًّا، قد يغيبُ طويلًا، لكنَّهُ يعودُ ليكملَ الحديثَ من حيثُ توقف.
وفي عالمٍ يركضُ خلفَ كلِّ جديد، يبقى للكتبِ القديمةِ سحرٌ خاص.
فهي لا تمنحنا المعرفةَ فقط، بل تمنحنا فرصةً لنُصغي إلى أصواتِ الذين عبروا قبلنا.
وحينَ أغلقتُ الكتابَ أخيرًا، لم أشعر أنني أنهيتُ القراءة، بل شعرتُ أنني ودّعتُ مدينةً كاملةً من الحكايات.
لأنَّ بعضَ الكتبِ، حينَ نسكنُها مرةً، تبقى مفتوحةً في أرواحنا إلى الأبد.






المزيد
الأصالة لا تُشترى بقلم ابن الصعيد الهواري
خذلان بقلم إسراء حسن عبدالله
من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى