ما بين البداية والرحيل
بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
ما الإنسان إلا حكايةٌ بدأت بصرخة، وانتهت في طريقٍ لا يعلم أحدٌ متى يبلغ آخره. يمضي بين محطات العمر وهو يظن أنه يبحث عن السعادة، ثم يكتشف متأخرًا أنه كان يبحث عن نفسه. يركض خلف الأحلام حتى تتعب قدماه، ويمنح قلبه لمن لا يعرف قيمته، ويؤجل أمنياته ظنًا أن الغد أكثر رحمة، ثم يفاجئه العمر بأن بعض الأحلام لا تنتظر، وأن بعض الوجوه لا تعود، وأن الوقت لا يمنح أحدًا فرصةً ثانية ليعيش ما أهمله بالأمس. في كل مرة ينكسر، يتعلم أن الدموع لا تغيّر القدر، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من آلاف الكلمات، وأن أكثر المعارك قسوةً هي تلك التي يخوضها الإنسان داخل نفسه بينما يراه الجميع بخير. يحمل فوق كتفيه أوجاعًا لا يراها أحد، ويبتسم حتى لا يثقل قلبًا آخر، ويواصل السير لأن التوقف ليس خيارًا، بل لأن الحياة لا تنتظر المتعبين. وحين يلتفت إلى الخلف، يدرك أن أكثر ما أرهقه لم يكن الطريق، بل الأشخاص الذين سار لأجلهم ثم تركوه في منتصف الرحلة، وأن أقسى الخيبات جاءت ممن وثق بهم، وأن الجراح التي لا تُرى هي الأعمق أثرًا. ومع ذلك، يبقى في داخله نورٌ صغير يرفض الانطفاء، يخبره أن لكل ليلٍ نهاية، وأن بعد كل انكسار ميلادًا جديدًا، وأن قيمة الإنسان ليست فيما يملكه، بل فيما يتركه من أثرٍ طيب في القلوب. فالعمر يرحل، والوجوه تتغير، والأيام تمحو كل شيء إلا المواقف الصادقة، والكلمات التي أعادت الأمل إلى روحٍ أوشكت على السقوط، والرحمة التي أضاءت قلبًا أنهكه الظلام. تلك هي رحلة الإنسان؛ ليست رحلة البحث عن حياةٍ كاملة، بل رحلة البحث عن معنى يجعل الرحيل يومًا أقل وجعًا، ويجعل الوجود رسالةً تستحق أن تُروى بعد الغياب.






المزيد
عنوان لو أحببنا بقلوبنا كما ننظر بعيوننا بقلم ابن الصعيد الهواري
وجودُ النِّعَمِ كالعَدَم بقلم أمل إسماعيل أحمد
سفينة مستعدة للابحار بقلم عبير عبد المجيد الخبيري