وطأة الحروف
بلال حسان الحمداني
ما زلتُ أنتبذُ هذه الشرفةَ التي اتخذتُها ركناً حميماً، وأُطعمُ هذا الليلَ من مدادي الذي لا شيءَ أثقلُ على قلبي منه. فقد كانت كتابةُ القصةِ أشدَّ وطأةً من أحداثِها المعاشةِ رأيَ العين؛ لذا أُراني أحاولُ الهروبَ فراراً من هذا المدادِ الذي ينزفُ دماً لا حبراً.
لقد صحبتُ بعدكِ كلَّ نجمٍ ساهر، وإن كنتُ لم أعد أفكرُ بكِ كالسابق، إلا أنني كلما أمسكتُ يراعي لأخطَّ شيئاً، أجدني أعودُ إلى ذلك الزمان، وكأنني أعيشُ في تفاصيله، وأتساءل: أفي ذلك التاريخ أنا أم في يومي هذا؟ لكنَّ تذكّرَ الأحداثِ التي تتراءى أمامي اللحظةَ، يشدني إلى تلك الفترة. إنها النهايةُ على كل حال؛ فكلما فرغتُ من كتابةِ جزءٍ، أجدني أتحررُ منه، حتى أيقنتُ ألا فكاكَ لي مما أنا فيه سوى بنزفِهِ على الأوراق، وإن لامني اللائمون وعذلني العاذلون.
آهٍ.. ما أصعبَ الحبَّ عند العرب، ولا سيما لمن يحملُ نفساً عربيةً خالصة، تحبُّ بريشتِها، وشعرِها، ونثرِها، وتتأثرُ بكلِّ حكايا العشقِ والفراق. وما الذي جعلني أقفُ أمامَ كلِّ قصةِ عشقٍ بإجلالٍ، وأعاهدُ نفسي أن أقف مع العشاقِ في جُلِّ معاركهم، إلا هذا الحبُّ الشقيّ! وكما قال مجنون ليلى:
وزادَني كَلَفاً في الحُبِّ أَن مُنِعَت
أَحَبُّ شَيءٍ إِلى الإِنسانِ ما مُنِعا
ربما هي نقمةٌ أن تمتهنَ الكتابة. ابتعتُ هذا القلمَ للكتابةِ على الهاتف، علّه يمدني بالعزمِ الذي فقدتُه، وبالشغفِ الذي انطفأ. كتبتُ به القليلَ وسرعان ما رميتُه.. أحاولُ التعللَ بأيِّ شيء، لكنْ عليّ أن أستجمعَ قواي لأضعَ نقطةَ النهاية. رحماكَ ربي؛ فيوماً بعد يومٍ تثقلُ لغتي وتجمد، ولم أعد أشعرُ أنني ذاكَ الكاتبُ ذو القلمِ الرشيق. كنتُ في أيامٍ مضت قويَّ العزيمة، ما إن أمسكَ يراعي حتى ينسابَ بوحي بيسر، لكنَّ كلَّ شيءٍ قد ثَقُل، وتكسرتِ الحروفُ، وضاع نبضُها.






المزيد
منبع الصداقة والحب بقلم سها مراد
وداعا ياشهر أيلول بقلم الكاتبة فاطمه هلال
ما بين البداية والرحيل بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر