كتب: محمد صالح
المجتمع جسم يتكون من مكونات عدة تجسده، والإنسان واحد من هذه المكونات ويلعب فيها دور أساسي؛ بل هو محورها، والغاية من التبلور الاجتماعي هي قيادة هذا المجتمع لسلوك وقيم وتوجهات وهوية تحرسه وتميزه، إلا أن هذا المجتمع في ممارسته لحياته ومن خلال تبنيه لقيم ومبادئ، ومحاولته تلبية مثل حضارة بعينها، في حركته تلك قد لا يستطيع الإضطلاع بكل مطلوباته الاجتماعية، وبالتالي يصيبه العجز الاجتماعي.
العجز الاجتماعي هو فجوة ومساحة عظيمة فيها يفرز المجتمع وجهات قصوره ونهايات تحركاته وأنشطته وضعف مقدرته لتغطيتها، والشلل الذي يصيبه في محاولة الوصول لتحقيق أهدافه المختلفة، فالعجز الاجتماعي يتمثل في أهداف وطموحات وضعها المجتمع ولم يتمكن من الوصول إليها، مبادئ وقيم اجتماعية وموروثات أخذ منها الواقع كثيرًا وهدد زوالها، ولم يستطع المجتمع إيقاف هذا الهدر، مستجدات عالمية تنذر بخطر بالغ لا يستطيع المجتمع التصدي له، إفرازات اجتماعية برزت خارج إطاره القيمي وسببت له الحرج، ولا يزال في كيفية المعالجة، قضايا إنسانية شاملة ليس له طاقة في التعامل معها، خبرات حديثة مطلوبة تكلفه بناء قدرات وليس لديه العلاقات والتمويل الكافي، وشرائح اجتماعية مختلفة تحتاج الرعاية الأولية الشاملة وليس لديه التغطية الكافية اقتصاديًا، شلل مشروعات إستراتيجية وتهديدات أمنية تختص بالأمن الاجتماعي (السلوك والسلام) والأمن الغذائي، مهددات صحية، ضعف البنية التحتية، تحديات إتخاذ القرار، تحديات الثقة والهوية الاجتماعية.
ما ذكرته يدخل المجتمع في عجز اجتماعي كبير، حيث تنبري له عدد من العناصر التي يصعب عليه التعامل معها، وبالتالي يحدث ما نصفه بتفوق العجز، والذي نقصد به ظهور العوامل المترتبة على هذا العجز والقصور الكلي، حيث تبدأ دورات الفعل في إظهار القيم السالبة، كالفساد وضعف الإنتماء، رداءة الإنتاج، إختلال بنية السلام الاجتماعي، انتشار الاقتصاديات السالبة كتجارة المخدرات، الدعارة، تجارة الأعضاء، الممارسات السالبة كالرشا، وتفشي الأمراض القاتلة وانتشار العنف والسلاح، المحسوبية وغيرها، وبالمقابل التقليل من المكانة الاجتماعية وهزة المجتمع وإختلال تناغمه وميزانه، وضعف وازع الدين والأخلاق، وانتشار الرزيلة بكافة أنواعها، وتراجع المجتمع المنتج، وكسب العيش، وإضطراب السلوك الاجتماعي، وانتشار الفوضى.
هذه الصورة الغاتمة لا تحدث سريعًا، ففي جانب المؤشرات الإيجابية للعجز، يؤشر العجز الاجتماعي على دفع المجتمع نحو السعي لإمتلاك قدرات محددة، وبالتالي قيامه بابتعاث عدد من أبناءه ذكورًا وإناثًا لتحقيق هذا الهدف، وهذا يعمل على مواكبة المجتمع للتطور والتحديث، العجز أيضًا يجعل المجتمع يناقش ويعرف موقفه وبالتالي يهتم بالقيم والحضارة ويبني مؤسسات ترعى ذلك، العجز يجعل المجتمع يراقب سلوكه وبناءه بصورة دائمة ويعمل على سد الفجوات، يشكل العجز عصف ذهني للمجتمع، بمحاربة الظواهر السالبة وإقامة مجتمع الفضيلة، وبالتالي تقليل الإنحرافات بسد الفجوة في الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل، والتأمين الصحي، والرعاية الصحية الأولية، وإقامة المشروعات التي تحقق تنمية ورفاه الإنسان، العجز يمكن المجتمع من تحقيق الإكتفاء الذاتي، ومحاولة رعاية الضعفاء في المجتمع، والعمل على حفظ الأمن، وتأسيس نظام عام يستطيع الحفاظ على أمجاد المجتمع، العجز يجعل المجتمع يرتقي في مجال العناية بالصحة والتعليم ويهتم بالبحث العلمي ويوليه عناية فائقة، ويوظف الكوادر ويحترمها ليحفظ للمجتمع مكانته بين المجتمعات.
العجز الاجتماعي حقيقة واقعة تحدث للمجتمع في مرحلة ما، وإذا ما تعاملنا معها في نشاطنا وحراكنا بصورة تجعل منها مؤشرًا إيجابيًا، يؤسس هذا لمجتمع يرعى العجز ولا ينكره، ويمكننا في ذات الوقت من توفير إحتياجات يبرزها العجز لنتمكن من الاستمرار الإيجابي نحو أمة ومجتمع يستطيع تحقيق أهدافه وبناء مجده العظيم.






المزيد
وجهك الآخر على الشاشة: كيف غيّرت وسائل التواصل مفهوم الذات؟
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم