مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مفتاح ثقيل

بقلم/ خالد محمد شعبان

​لا تمنحنا الأقدار الوقت الكافي لندرك الأمور بشكل واضح مما يجعل توقعاتنا دائماً بعيدة عن الواقع ويؤدي بنا إلى التعرض للصدمات النفسية، ونظل نلهي أنفسنا بالأمل ونرهق أرواحنا بالتمني ولا ندرك قيمة الوقت الحاضر إلا عندما يتحول إلى ماضٍ، ونبقى غارقين في دوامة يحركها تيار الخوف من المستقبل والقلق من تأثير الماضي فنغوص بين ذكريات مرت وتوقعات لم ولن تحدث.
​نشعر أننا واقفون مكتوفو الأيدي عاجزون أمام تيار الواقع الجارف الذي يحطم أحلامنا ويرميها بعيداً عن متناول أيدينا ليتركنا في حالة من الإحباط والألم في سباق غير عادل تزداد المسافة فيه اتساعاً أسرع بمرات من معدل خطواتنا، فنُرهَق جسدياً ونفسياً ونحن نرى خط النهاية وكأنه سراب كلما اقتربتَ منه لاحظتَ أن المسافة بينك وبينه لا تتغير وكأنه يبتعد عنك ليجبرك على مواصلة الجري دونما راحة أو مساحة للتفكير والتأمل.
​إن الغفلة عن الواقع لها ثمن باهظ للغاية وهو الغرق في محيط الوهم الذي لا حدود له ولا يابسة فيه ولا حتى قارب أو طوق نجاة، بل أمواج عاتية من الندم والحسرة والألم الذي يعصر القلوب على ما اقترفته الأيدي والألسنة في حين أن الوقت الذي نندم فيه يكون هو السلاح الوحيد في أيدينا الذي يمكننا من معالجة هذا الألم والخلاص من هذا العذاب.
​إلا أن نشوة الحزن ودور الضحية المغلوبة على أمرها فيهما نوع من الراحة للعقل الذي يريد الاستسلام ويبحث عن مسوغ مقنع، وهنا يكون الحزن والألم هما المبرر الكافي للعقل والحجة التي يستغلها ليتوقف عن بذل الجهد مما يزيد من حالة التيه والتخبط والغرق.
​إن أعظم وصية وأول درس تعلَّمه الإنسان هو الصبر على نفسه ومخالفتها ففي قصة آدم -عليه السلام- أمره ربه بمقاومة رغبته في الأكل من شجرة واحدة فقط من شجر الجنة وكان له كل ما في الجنة من نعيم غير هذه الشجرة، إلا أن النفس البشرية بطبعها حين وسوس الشيطان لها صبت كل تركيزها على تلك الشجرة وكانت العقوبة هي العيش في عالم قائم على مقاومة تلك النزوات النفسية للنجاة من العذاب في الدنيا ويوم الدين.
​لذا فإن الصبر ليس مجرد مهارة بل إنه مفتاح الحقيقة الذي يمكن من خلاله فهم كل شيء بوضوح مع مرور الوقت، ولكنه مفتاح ثقيل للغاية على النفس البشرية التي جُبلت على التعجل والرغبة في الإشباع الفوري وكلما تقدم بنا الزمان زادت رغبة الإنسان في محاكاة الجنة التي عاش فيها أبوه على الأرض من خلال الثروة والتكنولوجيا والسلطة والشهوة.
​فإذا ترك الإنسان لنفسه العنان وأراد إشباع جسده على حساب روحه فسوف يعيش حياته في سباق لا ينتهي إلا بالموت، وإن قرر أن يغذي روحه بالصبر على حساب جسده فسوف يعيش حياة تتضح له فيها الحقيقة شيئاً فشيئاً حتى يلقى أجله ويصل إلى اليقين.