مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لانسعى إلى مقعد… بل نسعى إلى اتحاد ناشرين أقوى وأرقى ‏بقلم سميرة السوهاجي ‏

لانسعى إلى مقعد… بل نسعى إلى اتحاد ناشرين أقوى وأرقى
‏بقلم سميرة السوهاجي

‏في كل استحقاق انتخابي تتجه الأنظار إلى الأسماء، وتدور النقاشات حول المرشحين والمقاعد، لكن القضية الحقيقية أكبر من مجرد مقعد يشغله شخص أو منصب يتقلده آخر. فالمقاعد تتغير، أما الرسالة فتبقى، والمسؤولية تستمر، والتحديات تتجدد يوماً بعد يوم.
‏إننا لا نسعى إلى مقعد، بل نسعى إلى اتحاد ناشرين أقوى وأرقى، اتحاد قادر على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها عالم النشر والثقافة، وقادر على حماية حقوق الناشر والكاتب، وصناعة مستقبل أكثر استقراراً لهذه المهنة التي تحمل على عاتقها مسؤولية بناء الوعي وحفظ الهوية.
‏لقد واجه قطاع النشر خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة، بعضها كان نتيجة ظروف اقتصادية عالمية، وبعضها الآخر فرضته الثورة الرقمية المتسارعة. فارتفاع تكاليف الطباعة والخامات والشحن أصبح عبئاً ثقيلاً على دور النشر، خاصة الصغيرة والمتوسطة منها. كما أن القرصنة الإلكترونية باتت تهدد صناعة الكتاب بشكل مباشر، وتستنزف حقوق الناشرين والمؤلفين دون وجود آليات كافية للحد منها.
‏وفي الوقت نفسه، ظهر جيل جديد من الكتّاب والمبدعين يمتلك الموهبة والطموح، لكنه يصطدم بعقبات عديدة؛ من صعوبة الوصول إلى دور النشر، إلى محدودية فرص التدريب والتأهيل، وصولاً إلى التحديات المتعلقة بالتسويق والوصول إلى الجمهور في عالم بات أكثر انفتاحاً وتنافسية.
‏ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية جديدة تتجاوز الإدارة التقليدية، وتنتقل بالاتحاد من دور المتابعة إلى دور المبادرة والقيادة وصناعة الحلول.
‏نحتاج إلى اتحاد يعمل على بناء منظومة رقمية متطورة تخدم الناشرين وتوفر قواعد بيانات حديثة، وتدعم التحول الرقمي دون أن تهدد الكتاب الورقي. نحتاج إلى شراكات حقيقية مع المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية لفتح أسواق جديدة أمام الكتاب المصري والعربي. كما نحتاج إلى برامج تدريب وتأهيل تواكب التغيرات الحديثة في التسويق الإلكتروني وصناعة المحتوى وإدارة حقوق الملكية الفكرية.
‏إن المرحلة المقبلة تتطلب فكراً قادراً على استشراف المستقبل، لا الاكتفاء بإدارة الحاضر. فالعالم يتغير بسرعة، والذكاء الاصطناعي، والنشر الرقمي، والمنصات العالمية، لم تعد مجرد مفاهيم بعيدة، بل أصبحت واقعاً يفرض نفسه على الجميع. ومن لا يطور أدواته اليوم قد يجد نفسه خارج المنافسة غداً.
‏كما أن اتحاد الناشرين مطالب بأن يكون صوتاً حقيقياً لكل ناشر، سواء كان صاحب مؤسسة كبيرة أو دار نشر ناشئة. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بحجم المؤسسات فقط، بل بقدرة الاتحاد على احتضان جميع أعضائه والدفاع عن مصالحهم وتحقيق العدالة في الفرص والخدمات.
‏إننا بحاجة إلى اتحاد لا يكتفي بردود الأفعال، بل يصنع المبادرات. اتحاد يدرس المشكلات قبل تفاقمها، ويطرح الحلول قبل أن تتحول التحديات إلى أزمات. اتحاد يؤمن بأن نجاح الناشر هو نجاح للكاتب، وأن ازدهار الكاتب هو ازدهار للثقافة بأكملها.
‏فالمعركة اليوم ليست على مقعد، بل على مستقبل صناعة النشر نفسها. وليست المنافسة بين أشخاص، بل بين أفكار ورؤى وقدرات على الإنجاز والتطوير.
‏لهذا نقولها بوضوح: لا نسعى إلى مقعد، بل نسعى إلى اتحاد ناشرين أقوى وأرقى… اتحاد يحمل إرث الرواد بعقل معاصر، ويحافظ على ثوابت المهنة برؤية متجددة، ويمنح الناشرين والكتّاب أملاً حقيقياً في غدٍ أكثر إشراقاً، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر وصناعة مستقبل يليق بمكانة الثقافة ورسالتها الخالدة.