تحرير: ليمار وليد
الكاتبة الجزائرية إيمان حباس، صاحبة عدد من الأعمال الأدبية، من بينها «كلمات سائبة» و«آرثر»، تجمع في تجربتها بين الأدب والقراءة والعمل التطوعي والتمريض.
في هذا الحوار، نقترب من عالم إيمان حباس الإبداعي، ونتعرف إلى علاقتها بالقراءة والكتابة، وقصة «آرثر» التي وثقت من خلالها بطولة أحد كلاب الحماية المدنية، كما نتوقف عند روايتها «أجنحة الجرح»، وتجربتها الأولى مع النشر، ورؤيتها للعلاقة بين الأدب والإنسانية.
■ فقدان الوالدين في سن مبكرة تجربة قاسية، كيف أثّر هذا الفقد في علاقتك بالكلمات والكتابة؟
• الكتابة بالنسبة لي لم تكن مرتبطة بوفاة والدي ووالدتي، فقد نشأت منذ طفولتي في أسرة تقدّس الكتاب والمطالعة. فتحت عيني على الكتب، وأحببت القراءة منذ صغري وحتى اليوم، وقد قرأت أكثر من 1400 كتاب، وألفت عشرة كتب، إضافة إلى كتب وقصص للأطفال باللغة الإنجليزية.
وفاة والدي كانت تجربة قاسية جدًا، فقد كنت أحبه كثيرًا، وكان خبر وفاته قاتلًا بالنسبة إليّ، خاصة أنني كنت في الحادية عشرة من عمري. هذا الفقد لم يغيّر شيئًا في علاقتي بالكتابة، لكنه أضاف إلى حياتي شيئًا واحدًا هو الحزن.
أما الكتابة، فأعتبرها غذاء العقل. لدي موهبة منذ الصغر، ولم تكن بالنسبة إليّ وسيلة للهروب أو النجاة، بل كانت بابًا فتح عقلي، وجعلني أكثر رقيًا وثقافة.
■ قرأتِ أكثر من 1400 كتاب، فهل جاءت لحظة شعرتِ فيها أن القراءة لم تعد تكفي، وأن الوقت حان لتقولي للعالم ما لديكِ أنتِ؟
• لم أشعر يومًا أن القراءة لم تعد تكفي، بل شعرت أنها هي التي أوصلتني إلى الكتابة. كل كتاب قرأته كان يعلمني شيئًا جديدًا، لكن مع مرور الوقت امتلأت بالأفكار والتجارب والمشاعر التي لم أعد أجدها في صفحات الآخرين.
عندها أدركت أن دوري لم يعد يقتصر على تلقي المعرفة، بل أصبح عليّ أن أشاركها أيضًا. الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد رغبة في أن أكون كاتبة، وإنما مسؤولية تجاه ما أؤمن به وما عشته، لعل كلماتي تصل إلى شخص يحتاج إليها، كما احتجت يومًا إلى كلمات غيري.
■ في كتابكِ «آرثر»، اخترتِ أن يكون بطل الحكاية كلبًا من كلاب الحماية المدنية. ما الذي دفعكِ إلى كتابة قصته، وما الرسالة التي خشيتِ أن تضيع لو لم تكتبيها؟
• لم أختر «آرثر» لأنه كلب، بل لأنه بطل حقيقي يستحق أن تُروى حكايته. كانت لحظة لقائي به وبرفيقه المدرب تقي الدين بن عزيز، خلال إحدى مناورات الحماية المدنية الجزائرية، لحظة فارقة بالنسبة إليّ.
حضرت لتغطية المناورة، لكن ما إن رأيت آرثر حتى نسيت كل ما كان يدور حولي وانصبّ اهتمامي عليه. لفتني حضوره وذكاؤه والطريقة المذهلة التي يعمل بها بانسجام وثقة مع مدربه، وشعرت بفرحة كبيرة وكأنني أمام قصة تنتظر من يكتبها.
في تلك اللحظة أدركت أنني لا أرى كلبًا مدربًا فحسب، بل شاهدًا على معاني الوفاء والشجاعة والتضحية. عندها قررت أن أكتب هذا الكتاب؛ لأنني خشيت أن تمر هذه البطولات بصمت، وأن تبقى جهود أفراد الحماية المدنية وكلابهم المدربة بعيدة عن أنظار الناس، رغم ما يقدمونه من تضحيات في سبيل إنقاذ الأرواح.
ومن خلال «آرثر» سعيت إلى توثيق قصته، ونقل شعوري تجاهه منذ اللحظة التي لمسته فيها، وتقديم تحية تقدير لكل أفراد الحماية المدنية، وإبراز العلاقة الإنسانية العميقة التي تجمع آرثر بمدربه تقي الدين بن عزيز.
أردت أن أقول إن البطولة ليست حكرًا على من يتحدث أو يظهر في الواجهة؛ فهناك أبطال يعملون في صمت، لكن أعمالهم تترك أثرًا خالدًا في حياة الآخرين.
■ هل سبق أن كتبتِ نصًا كشف جانبًا من إيمان حباس لم تكوني مستعدة لإظهاره، وكيف تعاملتِ مع هذا الجانب في كتاباتك؟
• رواية «أجنحة الجرح» هي أقرب أعمالي إلى نفسي؛ لأنها ولدت من مشاعر وتجارب عشتها وتأملت فيها على مدار عام كامل. بدأت كتابتها في العام الماضي وأنهيتها بعد رحلة طويلة من الكتابة والمراجعة، وهي اليوم جاهزة للنشر، وما أبحث عنه حاليًا هو دار نشر تؤمن بها وتقدمها للقارئ بالشكل الذي تستحقه.
الرواية تستلهم بعض جوانب حياتي، لكنها ليست سيرة ذاتية كاملة. تعمدت أن أكتب بصدق، وفي الوقت نفسه احتفظت ببعض التفاصيل لنفسي؛ لأنني أؤمن أن ليس كل ما نعيشه يجب أن يُقال، وليس كل ما نشعر به يجب أن يُنشر. هناك ذكريات ومواقف ستبقى جزءًا من عالمي الخاص، وربما يأتي يوم يحين فيه الوقت للحديث عنها، وربما تبقى بيني وبين الحياة.
أردت من «أجنحة الجرح» أن تصل إلى القارئ بما تحمله من رسالة إنسانية عن الألم والصمود والأمل، لا أن تكون كشفًا كاملًا لحياتي الشخصية.
■ تجمعين بين التمريض والأدب والعمل التطوعي، فما القاسم المشترك الذي ترينه بين هذه المسارات الثلاثة؟
• أعتقد أن القاسم المشترك بين التمريض والعمل التطوعي والأدب هو «الإنسانية». فمنذ طفولتي كان والدي، رحمه الله، هو من غرس في داخلي حب العمل الخيري. كان يسلمني المساعدات والتبرعات ويطلب مني أن أوصلها إلى الجمعيات التي تعنى بكفالة الأيتام ومساعدة المحتاجين.
تلك المواقف البسيطة علمتني أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، بل بما يقدمه للآخرين.
وعندما درست التمريض، وجدت أن هذه القيم نفسها ترافقني؛ فقد تعلمت أن أعتني بالإنسان قبل أن أعالج المرض، وأن أتعامل مع الجميع بالرحمة والاحترام، كما تربيت في منزلي.
أما العمل التطوعي فقد قربني أكثر من الفئات المحتاجة. كان عمري خمس سنوات عندما دخلت مجال التطوع، وجعلني ذلك أرى الحياة من زوايا مختلفة وأدرك حجم المسؤولية تجاه المجتمع.
ثم جاء الأدب ليمنحني وسيلة أخرى لخدمة الإنسان، ولكن بالكلمة. فمن خلال الكتابة أنقل التجارب، وأناقش القضايا الإنسانية، وأحاول أن أترك أثرًا إيجابيًا في القارئ، كما أسهم الأدب في توسيع ثقافتي وتعزيز حضوري العلمي والأدبي.
لهذا أؤمن أن التمريض والعمل التطوعي والأدب ليست مسارات منفصلة، بل هي وجوه مختلفة لرسالة واحدة عنوانها: الإنسانية.
■ «كلمات سائبة» كان أول أعمالك المنشورة. لو أعدتِ كتابته اليوم بعد كل ما اكتسبته من خبرة، هل كنتِ ستغيرين فيه شيئًا؟
• لا أعتقد أنني سأغير شيئًا في «كلمات سائبة»، لأنني لم أنشره إلا بعد أن أصبحت واثقة من كل حرف كتبته. بعض نصوص هذا الكتاب كتبتها قبل خمس سنوات، ولم تكن لدي آنذاك أي فكرة عن النشر. كنت أكتب لأن الكتابة كانت وسيلتي للتعبير عن أفكاري ومشاعري، لا بحثًا عن الشهرة أو إصدار كتاب.
واليوم، وبعد أن اكتسبت خبرة أكبر، ما زلت أقرأ تلك النصوص بالثقة نفسها؛ لأنني أؤمن أن صدق الكلمة لا يرتبط بعمر الكاتب، بل بصدق إحساسه في اللحظة التي يكتب فيها.
لذلك سأُبقي الكتاب كما هو؛ لأنه يمثل مرحلة حقيقية من حياتي بكل ما حملته من مشاعر وأفكار، وسيبقى دائمًا أول خطوة في رحلتي الأدبية.
ولا أخفي أنني أشعر بسعادة وفخر كبيرين لأن «كلمات سائبة» كان أول عمل يرى النور، وسيظل يحمل مكانة خاصة في قلبي؛ لأنه كان بداية تحقيق حلم رافقني سنوات طويلة.
وأغتنم هذه الفرصة لأتقدم بخالص الشكر والامتنان لصديقي المحامي المصري فتحي عبد الحميد، الذي كان أول من شجعني على خوض تجربة النشر وآمن بموهبتي منذ البداية، ومنحني الثقة لأرى هذا العمل بين يدي القراء.
كما أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى دار واحة الأدب للنشر والتوزيع، التي احتضنت عملي الأول بكل محبة واهتمام، وإلى الدكتورة شيماء التي استقبلتني منذ اللحظة الأولى بكل ترحيب ودفء، حتى شعرت أنني لم أدخل دار نشر فحسب، بل دخلت بيتًا يملؤه التقدير والاحترام. أعتبرها أختًا عزيزة، وسأظل ممتنة لها على دعمها وتشجيعها وإيمانها بي في بداية مشواري الأدبي.
لذلك سيبقى صدور «كلمات سائبة» بالنسبة إليّ أكثر من مجرد إصدار كتاب؛ إنه بداية رحلة صنعتها الثقة والدعم والإيمان بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تجد طريقها إلى القلوب.
■ وفي ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى القراء؟
• في ختام هذا الحوار، أتوجه بخالص الشكر والتقدير لمجلتكم الكريمة على هذه الاستضافة الراقية، وعلى اهتمامها بالأدب والكتّاب وإتاحة هذه المساحة للحديث عن تجربتي الأدبية.
كما أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذة ليمار وليد على هذا الحوار الجميل، وعلى أسئلته العميقة التي منحتني فرصة للحديث عن رحلتي الأدبية ومشاركة جزء من تجربتي مع القراء.
وأوجه الشكر لكل من آمن بي ودعمني في مسيرتي، ولكل قارئ منح كلماتي وقته وثقته.
وأخص بالشكر نفسي؛ لأنني لم أستسلم رغم الصعوبات، ولأنني واصلت السير بإيمان وصبر حتى حققت جزءًا من حلمي.
لقد بذلت جهدًا كبيرًا في كتابة «آرثر»، وأستطيع أن أقول بكل فخر إنه من أجمل الأعمال التي كتبتها في حياتي؛ لأنه يحمل رسالة إنسانية قريبة إلى قلبي.
وأتمنى أن تظل كلماتي صادقة، وأن يكون لكل كتاب أقدمه أثر طيب في نفوس القراء، فهذه هي الرسالة التي أكتب من أجلها.






المزيد
سناء منير، كاتبة مصرية حاصلة على ليسانس الحقوق، بدأت رحلتها مع الكتابة منذ المرحلة الثانوية، حين وجدت في القلم مساحة للتعبير عن مشاعرها وأفكارها التي لم تكن تجد سهولة في البوح بها. أصدرت روايتي «لكنه مضى» و«تاموريا.. أسطورة العابر»، وخاضت من خلالهما تجربتين مختلفتين في السرد والتصنيف، كما تُوِّجت بلقب القمة في مجلة إيفرست الأدبية.
في هذا الحوار، نقترب من بداياتها، ونتعرف إلى مصدر إلهامها، والتحديات التي واجهتها، ورؤيتها لمستقبلها الأدبي
في زمنٍ أصبحت فيه العلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا وتشابكًا، يبرز بين الحين والآخر صوتٌ شاب يحمل رؤية مختلفة، ويسعى إلى تقديم فهمٍ أعمق لهذا العالم المتغير.