مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الترند الإيجابي… حين يصبح الانتشار في خدمة الإنجاز

بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)

أصبحت كلمة “ترند” من أكثر الكلمات تداولاً في عصرنا، حتى إن كثيراً من الناس يستخدمونها يومياً دون أن يتوقفوا عند معناها الحقيقي. والكلمة في أصلها الإنجليزي تعني “الاتجاه” أو “الميل العام”، ثم انتقلت إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي لتشير إلى الموضوعات والأحداث والأشخاص الذين يستقطبون أكبر قدر من الاهتمام خلال فترة زمنية معينة. ومن هنا صار الترند بمثابة مقياس لما يشغل الناس وما يجذب أنظارهم في لحظة من اللحظات.

غير أن هذه الكلمة اكتسبت مع مرور الوقت دلالة سلبية لدى كثير من الناس، حتى أصبح مجرد ذكرها يثير في الأذهان صور المقاطع السطحية والمشاجرات المفتعلة والموضوعات التافهة التي تملأ المنصات الرقمية. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا هو: هل المشكلة في الترند نفسه، أم في طبيعة المحتوى الذي يتصدره؟

الترند مرآة وليس محركاً

في الحقيقة، الترند ليس خيراً ولا شراً في ذاته، بل هو مجرد أداة لقياس حجم الاهتمام الجماهيري. فكما يمكن أن يتصدر الترند مقطع عديم القيمة، يمكن أيضاً أن يتصدره كتاب مؤثر، أو اكتشاف علمي، أو إنجاز إنساني ملهم.

غير أن المحتوى التافه غالباً ما ينجح في جذب الانتباه لأنه يُقدَّم في صورة بسيطة ومثيرة وسهلة التداول، بينما تُقدَّم كثير من الإنجازات العلمية والفكرية بأسلوب جاف لا يثير الفضول ولا يحرك المشاعر. وهنا تظهر فكرة “الترند الإيجابي”:

 بدلًا من الاكتفاء بالتذمر من المحتوى السطحي، لماذا لا نستخدم الأدوات نفسها التي صنعت نجاحه في خدمة ما هو أنفع وأبقى أثراً؟

 لماذا لا نحول الإنجازات إلى قصص مشوقة؟

 لماذا لا نعرض الكتب والاختراعات والأبحاث العلمية بأسلوب يثير الدهشة ويحفز الخيال؟

قوة “السرد القصصي” في صناعة الوعي

إن الإنسان بطبيعته يحب القصص؛ فهو لا يتفاعل مع الأرقام والمعلومات المجردة بقدر ما يتفاعل مع التحديات والانتصارات والعقبات التي يتغلب عليها أصحاب الإنجازات. فعندما نقول إن باحثاً حصل على جائزة كبيرة، قد يمر الخبر مرور الكرام. أما عندما نقول إن هذا الباحث أمضى سنوات طويلة يحاول حل مشكلة استعصت على غيره، ثم نجح أخيراً، فإن الخبر يتحول إلى قصة ملهمة تستحق المتابعة.

وقد شهد عصرنا نماذج عديدة لهذا النوع من الترند الإيجابي:

1 في الأدب: نجاح بعض الكتّاب العالميين كـ “دان براون” لم يكن مجرد نجاح تجاري، بل دفع ملايين الأشخاص إلى الاهتمام بالتاريخ والفنون والرموز، وألهم آخرين لخوض تجربة الكتابة الروائية.

2 في العلم وريادة الأعمال: حين يتصدر شخص ما المشهد بسبب اختراع جديد أو مشروع ناجح، فإن تأثيره يمتد إلى تشكيل طموحات الآخرين؛ فهناك من يقرر دراسة تخصص معين لأنه أُعجب بقصة عالم بارز.

من الضجيج العابر إلى الأثر الحقيقي

من هنا تتجلى أهمية الترند الإيجابي بوصفه أداة لبناء الثقافة لا لهدمها؛ فهو ينشر الوعي، ويجعل المعرفة أكثر قرباً من الناس، ويخلق قدوات جديدة للأجيال الصاعدة، كما أنه يحول المنافسة من السعي وراء الضجيج إلى السعي وراء الإبداع.

وليس المقصود بذلك أن تتحول المنصات إلى قاعات محاضرات مملة أو أن تختفي عناصر التشويق والإثارة، بل على العكس تماماً. الفكرة هي أن نستخدم التشويق نفسه في خدمة المعرفة، وأن نوظف الفضول في خدمة الاكتشاف، وأن نجعل الإنجاز قصة تُروى، لا مجرد معلومة تُذكر.

الخلاصة:

إن المجتمعات تتأثر بما تحتفي به؛ فإذا احتفت بالضجيج، ازداد الضجيج، وإذا احتفت بالإنجاز، تكاثر المبدعون. والترند في النهاية ليس سوى مرآة تعكس ما نمنحه اهتمامنا؛ ولذلك فإن نشر ثقافة الترند الإيجابي ليس مجرد فكرة إعلامية، بل مشروع ثقافي يمكن أن يسهم في توجيه الأنظار نحو ما ينفع الناس. وحينها لن يكون السؤال: ما الذي تصدر الترند اليوم؟ بل سيكون: أي إنجاز جديد ألهم الناس اليوم؟