مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الضيف الغريب

Img 20250112 Wa0087

 لِــــسُهيلة أحمد عامر

 

كانت الساعة تشير إلى التاسعة مساءً عندما بدأت الأجواء تغرق في ظلام شتوي كثيف. الرياح تعوي خارج النافذة كذئب جائع، والسماء تمطر بغزارة. كنت جالسًا في غرفة المعيشة، متلفحًا ببطانية ثقيلة، وأحتسي كوبًا من الشاي الساخن بينما أستمع لصوت قطرات المطر وهي ترتطم بالزجاج.

 

فجأة، طرق الباب.

 

كان الطرق خفيفًا، لكنه متواصل، كأنه نداء خافت في هذا الليل العاصف. تساءلت، من قد يأتي في هذا الوقت؟ خصوصًا أن منزلي يقع على أطراف القرية، بعيدًا عن المارة والزوار.

 

وقفت بتردد، متوجهًا نحو الباب. وضعت يدي على المقبض، وترددت لحظة قبل أن أفتحه. كان هناك رجل غريب يقف أمامي. طويل القامة، يلبس معطفًا أسود طويلًا مبللًا بالمطر، وقبعة تخفي ملامح وجهه. كانت عيناه ساطعتين بشكل غير طبيعي في الظلام.

 

قال بصوت هادئ لكنه عميق:

“أعتذر لإزعاجك، لكن سيارتي تعطلت على الطريق، والبرد شديد بالخارج. هل يمكنني الدخول لدقائق قليلة حتى تهدأ العاصفة؟”

 

لم أستطع رفض طلبه. أدخلته إلى المنزل وطلبت منه أن يجلس بجوار المدفأة ليجفف نفسه. جلبت له كوبًا من الشاي، وحاولت الحديث معه. بدا أن صوته يحمل لهجة غريبة، وكأنها من زمن آخر، لكنني لم أولِ ذلك اهتمامًا.

 

سألته عن مكان قدومه، لكنه ابتسم بخفوت وقال:

“من مكان بعيد جدًا.”

 

حينما كنت أراقبه، لاحظت أن وجهه يحمل تعبيرات غامضة، كأن شيئًا ثقيلًا يشغله. لكن أكثر ما أقلقني هو أنه لم يرمش ولا مرة واحدة منذ أن دخل المنزل. شعرت بشيء غير طبيعي، لكنني حاولت تجاهل إحساسي.

 

بعد دقائق من الصمت، قال لي:

“منزلك جميل، لكنه قديم جدًا، أليس كذلك؟”

 

ابتسمت وقلت:

“نعم، يعود بناؤه إلى أكثر من مئة عام. اشتريته منذ خمس سنوات وأحببته لأنه يعيدني إلى الماضي.”

 

رد بابتسامة غريبة:

“الماضي ليس دائمًا كما يبدو.”

 

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. نظرت إليه بعناية أكبر، وحينما نظرت إلى يديه، لاحظت أنهما كانتا غريبتين. أصابعه طويلة بشكل غير طبيعي، وأظافره تبدو وكأنها مخالب قصيرة. بدأت أشعر بالخوف يتسلل إلى أعماقي، لكنني لم أجرؤ على طرده.

 

نهض فجأة وقال:

“يبدو أن المطر قد توقف. شكراً لك على كرم الضيافة.”

 

وقبل أن أجيب، فتح الباب وغادر دون أن يترك أي أثر. نظرت إلى الخارج لأتأكد من اختفائه، لكن الممر المؤدي إلى المنزل كان خاليًا تمامًا، وكأنه لم يكن هناك أحد منذ البداية.

 

في تلك الليلة، لم أستطع النوم. وفي الصباح، حينما خرجت لتفقد الطريق، وجدت بقعة من الطين على العتبة، لكن ما كان غريبًا هو أن البقعة لم تكن على شكل حذاء عادي، بل كانت أشبه بآثار قدم حيوان كبير.

 

لم أستطع تفسير ما حدث تلك الليلة، لكنني أدركت شيئًا واحدًا: الضيف الذي استقبلته لم يكن بشرًا.