مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحكمة ثم العلم

بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)

في زمنٍ لم تَعُد فيه المعرفة حكراً على أحد، ولم يَعُد الوصول إلى المعلومة يحتاج أكثر من لمسة إصبع، تغيّر وجه التربية جذرياً. إذ لم يَعُد السؤال: “كيف نُعلِّم أبناءنا؟”، بل أصبح: “كيف نُعِدّهم لحمل ما يتعلمونه؟”.

لقد فُتحت أبواب العلم على مصاريعها، لكن لم تُفتح معها –بالقدر ذاته– أبواب التهذيب والضبط؛ فصار الطفل يطّلع على ما لم يكن يُتاح لأسلافه إلا بعد سنين من النضج.

المفارقة الخطيرة: ذكاءٌ بلا بوصلة

نحن نُسرّع في إدخال المعرفة إلى عقول أبنائنا، لكننا لا نُسرّع بالقدر نفسه في بناء الإنسان القادر على حملها. إن الطفل لا يفتقر إلى الذكاء بقدر ما يفتقر إلى البوصلة! قد يفهم المعلومة، لكنه لا يُحسن موضعها، ولا يُدرك عواقبها، ولا يملك دائماً القدرة على كبح اندفاعه.

فالإنسان قد يحمل من العلم ما يثقله دون أن يهديه، وقد يزداد معرفةً.. ولا يزداد رشدًا، كأولئك الذين وصفهم المولى جل جلاله: ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.

خطر “العلم المنفلت”

العلم في ذاته قوة، والقوة إن لم تُضبط انقلبت على صاحبها. ولعل أبلغ ما قيل في هذا المعنى: “ويلٌ للعالِم إذا انحرف المثقفون”.

انحراف الجاهل محدود الأثر، أما انحراف العالِم فمضاعف؛ لأنه يملك الأدوات، ويعرف الطرق، ويُحسن التبرير. لذا كان الخطر في “العلم المنفلت” أعظم من الخطر في الجهل؛ لأن العالِم قد يُخطئ عن وعي، فيُفسد وهو يظن أنه يُصلح.

المنهج التربوي: “الحُكم” أولاً

هنا تتجلّى لفتة قرآنية دقيقة تستحق التأمل؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ لم يُذكر العلم، بل قُدّم “الحُكم”. والحُكم –كما بيّن أهل التفسير– هو: الرشد، والتمييز، وضبط النفس، ووضع الشيء في موضعه.

ثم تأتي آية أخرى لتُكمل الصورة: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. الترتيب هنا لافت: في الصِّغر “حُكم”، وعند النضج “حُكم” أولاً، ثم “علم”.

القاعدة التربوية واضحة: لا تُعطِ الإنسان القوة قبل أن تُعطيه ما يضبطها، ولا تُكثر عليه من الأدوات قبل أن تُقيم فيه القدرة على استخدامها.

خلاصة المسيرة

نحن اليوم نُغرق أبناءنا بالمعلومات ونُسرّع نضجهم المعرفي، لكننا نُبطئ –أو نُهمل– نضجهم الأخلاقي والنفسي، فنصنع جيلًا يعرف كثيراً.. لكنه لا يملك دائماً القدرة على أن يكون حكيماً فيما يعرف.

إن المستقبل لن يكون للأكثر علماً فقط، بل للأكثر حكمةً في استخدام العلم. فمسؤوليتنا تجاه أطفالنا تمتد إلى ما هو أعمق من محو الأمية؛ إنها مسؤولية بناء “البشر السويّين” قبل “العقول الممتلئة”.

العلم يفتح الأبواب، لكن الحكمة وحدها هي التي تُخبرنا أيَّ بابٍ ندخله، وأيَّ بابٍ نُغلقه.