بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)
في مساء شتوي شديد البرودة، كنت أجلس على المقهى كعادتي؛ أكتب قليلًا، ثم أهرب من إرهاق التفكير إلى لعبة شطرنج على الهاتف، قبل أن أعود للكتابة من جديد. كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة والنصف ليلًا، والشارع قد بدأ يفرغ إلا من عابري سبيل متعجلين يطاردون دفء بيوتهم.
حينها اقترب مني غلام صغير… لم يكن متسولًا، ولا صاحب هيئة تثير الريبة، بل بدا مهندمًا هادئًا، أقرب إلى أحد أبنائنا الخارجين من درس أو زيارة قصيرة. طلب مني أن أعيره هاتفي ليجري اتصالًا. ارتبت في البداية بطبيعة الحال، ثم طلبت منه الجلوس قليلًا، لكن ملامحه وطريقته الهادئة دفعاني للاطمئنان.
أعطيته الهاتف، فاتصل بأحد أصدقائه قائلًا بقلق ظاهر: “إنتوا فين؟ أنا عند المدرسة… طيب ما تتأخروش بقى.” أنهى المكالمة، شكرني بأدب، ثم ابتعد قليلًا ووقف ينتظر. لم يكن في المشهد ما يستدعي الانتباه… حتى عاد بعد دقائق ليسألني عن الساعة.
هنا فقط انتبهت لشيء محزن… هو لا يملك هاتفًا أصلًا!
الحقيقة الموجعة خلف “المدرسة الأفضل”
طلب هاتفي أول مرة لأنه لا يملك وسيلة اتصال، والآن يسألني عن الوقت لأنه لا يملك حتى وسيلة لمعرفة الساعة. أخبرني أنه يسكن في منطقة تبعد عنا قرابة ساعة كاملة بالمترو. ساعة كاملة.. وغلام في المرحلة الإعدادية يقف قرب منتصف الليل في شارع بعيد عن بيته، في ليلة شديدة البرد، ينتظر أصدقاءه بلا هاتف، بينما قد لا يعرف والداه مكانه بدقة.
سألته: “ومافيش مدارس عندكم هناك؟” فأجاب ببساطة موجعة: “المدارس هنا أفضل.” كانت تلك الجملة كافية لتختصر أزمة كاملة يعيشها المجتمع.
مخاطر كسر المربع السكني
إن مشكلة عدم الالتزام بالمربع السكني لم تعد مجرد قضية تنظيم إداري، بل أصبحت قضية تمس أمان الأطفال. فحين يضطر الطفل للانتقال يوميًا لمسافات طويلة، فإنه يتعرض لسلسلة من المخاطر:
• المخاطر الجسدية: عبور الطرق المزدحمة، واستخدام المواصلات لساعات، والتعرض لاحتمالات التحرش أو الاستغلال.
• الانفلات السلوكي: اعتياد البقاء خارج المنزل لفترات متأخرة، ونقل سلوكيات الشارع إلى داخل المدارس (كالألفاظ البذيئة أو الاستعانة ببلطجية في الخلافات المدرسية).
لماذا يهرب الأهالي من مدارس منطقتهم؟
الإجابة المؤلمة هي غياب البيئة التعليمية المقبولة في كثير من المناطق، حيث نجد:
1. الكثافة الطلابية: وصول أعداد الطلاب في الفصل الواحد إلى 80 أو 90 طالبًا، مما يجعل التعليم مستحيلاً.
2. ضعف الإمكانيات: قلة عدد المعلمين وانهيار مستوى بعض المدارس.
3. العائق المادي: الارتفاع الجنوني في أسعار الإيجارات بالمناطق الأفضل سكنيًا، مما يمنع الأسر من السكن قرب المدارس الجيدة.
رؤية للحل: خطوات واقعية
الأزمة معقدة، وحلها يتطلب تضافر الجهود عبر عدة مسارات:
• تطوير العشوائيات: استكمال الدولة لمشروعات إزالة وتطوير المناطق العشوائية التي تنتج التكدس وانهيار الخدمات.
• التوسع الإنشائي: بناء مدارس جديدة في المناطق الأكثر ازدحامًا لمواكبة النمو السكاني.
• الحلول التنظيمية العاجلة:
• تعميم نظام الفترات الدراسية لتقليل الكثافة.
• إعادة النظر في ضرورة الحضور اليومي لبعض الصفوف.
• الاعتماد على “الوسائط التعليمية” (الشروحات المسجلة) ليتحول دور المعلم من التلقين إلى التنظيم والمتابعة.
ختامًا..
إن المجتمع لا يدرك أحيانًا خطورة ما يحدث إلا حين يراه متجسدًا في وجه طفل صغير يقف وحيدًا في البرد. ذلك الغلام لم يكن منحرفًا، بل كان مهذبًا إلى حدٍ مزّق قلبي وهو يغادر. كانت مأساته الحقيقية أن يصبح الأمان الذي يحتاجه مجرد “لقاء عابر” عند غريب، لا حقًا ثابتًا يحيط به من مجتمعه كله.






المزيد
عيد العمال: هل أصبح لدينا عمال لنحتفل بهم؟
زواج القاصرات ومخاطره على تربية الأبناء
أنا التي عبّرت نفسي