مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

موت في الصمت

قصة بعنوان   موت في الصمت

 

✍️ الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يكن الحاج محمود رجلًا غنيًا

ولا صاحب نفوذ

ولا حتى شخصًا يلفت الانتباه وسط الناس

لكنه كان أبًا

والأب الحقيقي لا يحتاج شيئًا آخر ليكون عظيمًا

كان يعيش داخل بيت بسيط مكوّن من طابقين قديمين مع أولاده الخمسة

سارة وملك وياسين وليلى وأصغرهم نور

ومنذ وفاة زوجته قبل سنوات طويلة أصبح هو الأب والأم معًا

كان يستيقظ قبل الفجر يوميًا يصلي بهدوء ثم يخرج إلى عمله في ورشة النجارة الصغيرة التي بالكاد تكفي احتياجات البيت

ورغم التعب الذي كان يملأ ملامحه

لم يره أحد يومًا يشتكي

أبدًا

حتى حين كان يعود ليلًا وظهره يؤلمه من العمل كان يدخل البيت مبتسمًا وكأن الحياة لم تؤذه يومًا

كان يحب رؤية أولاده سعداء أكثر من أي شيء آخر

خصوصًا بناته

كان يخاف أن يشعرن يومًا بالنقص أو الحزن

ولهذا

كان يفعل المستحيل لأجلهن

حين طلبت ملك هاتفًا جديدًا لأنها كانت تخجل من هاتفها القديم أمام صديقاتها ظل يعمل أسبوعين إضافيين دون راحة حتى اشتراه لها

وحين أرادت سارة دخول كلية خاصة باهظة التكاليف باع قطعة الأرض الصغيرة التي ورثها عن أبيه دون أن يخبر أحدًا

أما نور الصغيرة

فكانت كلما طلبت لعبة عاد بها في اليوم التالي حتى لو اضطر للاقتراض

كان يقول دائمًا بابتسامة هادئة

أنا ما يهمنيش غير ضحكتكم

لكن ما لم يكن يعرفه أحد

أن الحاج محمود كان يخفي شيئًا مرعبًا

شيئًا يأكله ببطء كل يوم

قبل ثلاث سنوات

كان قد ذهب إلى الطبيب بعد أن بدأ يشعر بآلام حادة في صدره وإرهاق دائم

وبعد الفحوصات الطويلة

أخبره الطبيب بالحقيقة

سرطان متقدم

صمت وقتها طويلًا

ثم سأل الطبيب بهدوء

قدامي قد إيه

خفض الطبيب عينيه بحزن

الله أعلم لكن حالتك محتاجة علاج سريع

خرج الحاج محمود يومها وحده

كان المطر ينزل بغزارة

لكنه لم يبكِ

كل ما كان يفكر فيه هو أولاده

مين هيصرف عليهم

مين هيقف جنب البنات

مين هيجيب طلبات البيت

وفي تلك الليلة

اتخذ قرارًا

ألا يعرف أحد

سيعيش معهم طبيعيًا

حتى النهاية

ومنذ ذلك اليوم

بدأت رحلته مع الألم الصامت

كان يذهب للعلاج وحده

يجلس بالساعات في المستشفى ثم يعود قبل رجوع أولاده من الجامعة أو المدرسة

وكان كلما سأله أحدهم

مالك يا بابا شكلك تعبان

يضحك فورًا

تعب شغل بس يا حبيبتي

حتى حين بدأ شعره يتساقط قليلًا كان يقول إن السبب هو التوتر

وحين أصبح يسعل كثيرًا ليلًا كان يغلق باب غرفته حتى لا يسمعه أحد

أما الألم الحقيقي

فلم يكن المرض

بل خوفه عليهم بعده

كان يجلس أحيانًا وحده في منتصف الليل ينظر إلى صورهم القديمة ويبكي بصمت

يبكي لأنه يعلم أنه سيرحل

ويبكي أكثر لأنه لا يريد لهم الحزن

مرت السنوات

وكبر الأولاد أكثر

لكنهم انشغلوا بالحياة

سارة أصبحت تعمل طوال اليوم

وياسين بالكاد يجلس في البيت

أما البنات

فكن دائمًا يطلبن منه أشياء كثيرة

ولم يكن يرفض

أبدًا

حتى حين كانت صحته تنهار

في إحدى الليالي

عاد الحاج محمود متعبًا جدًا

كانت خطواته بطيئة بشكل مخيف

جلس على الأريكة بصعوبة بينما كانت ملك تتحدث بانزعاج

بابا إنت نسيت تدفع اشتراك النادي

رفع رأسه بابتسامة مرهقة

حقك عليا يا بنتي بكرة هدفعه

ثم دخل غرفته ببطء

وفي الداخل

سقط أرضًا

كان الألم يمزق صدره

لكن رغم ذلك

لم ينادِ أحدًا

ظل مستلقيًا على الأرض ساعات كاملة حتى استطاع الوقوف

وفي الصباح

خرج كأن شيئًا لم يحدث

مرت أيام قليلة

ثم جاء عيد ميلاد نور

أصرّت الصغيرة أن يحتفلوا معًا

ورغم أن الحاج محمود كان بالكاد يستطيع الوقوف اشترى لها الكعكة بنفسه وزين البيت بيديه وظل يضحك معهم طوال الليل

كانت عيناه مرهقتين جدًا

لكن قلبه كان سعيدًا

سعيد لأنه رأى الفرح بعيني ابنته

وفي نهاية السهرة

جلس وحده ينظر إليهم وهم يضحكون

ثم همس بصوت منخفض

يارب خليهم دايمًا كده

كانت تلك آخر ليلة سعيدة له

بعدها بأسبوع

استيقظ الجميع على صوت سقوط قوي داخل المطبخ

ركضوا بسرعة

فوجدوا الحاج محمود ملقى على الأرض

وجهه شاحب

وأنفاسه ضعيفة جدًا

صرخت سارة وهي تبكي

بابا بابا رد عليا

فتح عينيه بصعوبة

ونظر إليهم جميعًا

كانت نظراته مليئة بالحب

والتعب

والوداع

أمسك يد نور الصغيرة وهمس

خلي بالكوا من بعض

ثم ابتسم

ابتسامته الأخيرة

وفجأة

سكنت ملامحه تمامًا

رحل

في لحظة واحدة فقط

أصبح البيت باردًا بشكل مخيف

كأن روحه كانت النور الحقيقي للمكان

دخل أولاده في صدمة هائلة

لكن الصدمة الأكبر

كانت بعد أيام

حين ذهب ياسين لترتيب أغراض والده وجد درجًا قديمًا مغلقًا بالمفتاح

فتحه ببطء

لتسقط عشرات التقارير الطبية

وأوراق العلاج

وصور الأشعة

ورسائل من الأطباء

كان المرض موجودًا منذ سنوات

سنوات كاملة

وهو يتألم وحده

جلس ياسين على الأرض مصدومًا

يداه ترتجفان

ثم بدأ يقرأ إحدى الرسائل بخوف

الحالة متأخرة ويجب بدء العلاج فورًا

بكت سارة بعنف وهي تقلب الأوراق

ليه ما قالناش

لكن السؤال الحقيقي

كان أقسى من ذلك

إزاي إحنا ما أخدناش بالنا أصلًا

بدأت الذكريات تضربهم بقوة

تذكروا تعبه

سعاله

صمته الطويل

إرهاقه المستمر

لكنهم كانوا دائمًا مشغولين

بأنفسهم

بطلباتهم

بحياتهم

أما هو

فكان يموت ببطء في صمت

انهارت ملك وهي تبكي

إحنا كنا أنانيين

أما نور الصغيرة

فكانت تحتضن ملابس أبيها وتصرخ

أنا عاوزة بابا

مرت الشهور

لكن الشعور بالذنب لم يرحل

أبدًا

بدأ الأولاد يحاولون فعل أي شيء يكفر عن تقصيرهم

أصبحوا يتصدقون باسمه باستمرار

ويطعمون الفقراء

ويبنون سقيا مياه باسمه

حتى سارة قررت التكفل بعلاج مرضى السرطان مجانًا كل شهر

أما ياسين

فكان يذهب كل جمعة إلى قبره ويبكي كطفل صغير

وفي إحدى الليالي

اجتمعوا داخل البيت القديم

كان المكان هادئًا بشكل موجع

جلست ملك تنظر إلى صورة أبيها المعلقة على الحائط

ثم قالت وهي تبكي

إحنا طول عمرنا فاكرين إن بابا قوي لدرجة إننا نسينا إنه إنسان بيتألم

ساد الصمت

ثم انفجر الجميع بالبكاء

لأن الحقيقة التي قتلتهم

أن أباهم لم يمت يوم توقف قلبه

بل مات منذ سنوات طويلة

حين قرر أن يحمل ألمه وحده

حتى لا تنطفئ السعادة في عيون أولاده