قصة بعنوان حين تلاشى الأمل
✍️ الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
كانت ريم تؤمن دائمًا أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا وكأنهم رسالة من السماء
رسالة تغيّر كل شيء
وكان آدم بالنسبة لها تلك الرسالة
بدأ الأمر في مساء شتوي هادئ داخل مكتبة صغيرة قريبة من الجامعة حين كانت ريم تجلس وحدها تقلب صفحات رواية قديمة بينما المطر يضرب الزجاج برفق
دخل شاب طويل القامة يرتدي معطفًا أسود وشعره المبتل يقطر ماءً من شدة المطر
اقترب من الرف القريب منها وهو يبحث عن كتاب ما لكن فجأة سقطت عدة كتب فوق الأرض
انحنى سريعًا يلتقطها وهو يضحك بخجل
واضح إن الكتب مش بتحبني النهارده
ابتسمت ريم لأول مرة منذ أيام طويلة
ساعدته في جمع الكتب وحين نظر إليها للحظة
شعرت بشيء غريب
كأن قلبها انتبه لوجوده فجأة
قال مبتسمًا
أنا آدم
ريم
ومن تلك اللحظة
بدأ كل شيء
أصبحت المكتبة موعدهما اليومي دون اتفاق
كل يوم يجلسان بالساعات يتحدثان عن الحياة والأحلام والخوف والطفولة وحتى الأشياء الصغيرة التي لا نهتم بالحديث عنها مع أحد
كانت ريم فتاة هادئة تحمل داخلها حزنًا قديمًا منذ وفاة والدتها بينما كان آدم مختلفًا
شخصًا مليئًا بالحياة
كل من حوله يبتسم تلقائيًا
كان يعرف كيف يجعلها تضحك من قلبها وكيف يسرقها من وحدتها دون أن تشعر
وفي يوم
قال لها وهما يسيران بجانب النيل ليلًا
تعرفي إنك أول حد أحس معاه إني مرتاح بالشكل ده
خفضت عينيها بخجل
فابتسم وأكمل
أنا بقيت بخاف من اليوم اللي ممكن أصحى فيه وما ألاقيكيش
نظرت إليه ريم للحظات طويلة
ثم قالت بصوت مرتجف
وأنا
كانت تلك أول مرة يعترفان فيها بحبهما دون أن يقولا كلمة بحبك
مرت الشهور سريعًا
أصبحت ريم ترى مستقبلها كاملًا معه
كانت تتخيل البيت الذي سيجمعهما والأيام العادية التي ستصبح جميلة فقط لأنه موجود فيها
حتى والد ريم لاحظ تغيرها
عادت تضحك
عادت تهتم بنفسها
عادت للحياة
وفي أحد الأيام اصطحبها آدم إلى مكان مرتفع يطل على المدينة كلها
كانت الأضواء تلمع أسفلهم والهواء البارد يحيط بهما
أخرج آدم خاتمًا صغيرًا من جيبه ثم قال بابتسامة متوترة
يمكن الظروف لسه مش مثالية ويمكن لسه قدامي شغل كتير عشان أكون الشخص اللي تستحقيه بس أنا عارف حاجة واحدة
اقترب منها أكثر
إني عاوز أكمل عمري كله معاكي
وضعت ريم يدها فوق فمها وهي تبكي من شدة الفرح
ثم هزت رأسها بالموافقة
احتضنها آدم بقوة
وكأن العالم كله أصبح بخير
لكن الحياة أحيانًا
تنتظر اللحظة التي نطمئن فيها تمامًا لتكسرنا
بعد الخطوبة بشهرين فقط
بدأ آدم يتغير
أصبح يختفي كثيرًا
يرد متأخرًا
ويبدو شاردًا طوال الوقت
كانت ريم تحاول تجاهل خوفها
تقول لنفسها إنه مرهق فقط
لكن قلبها كان يشعر بأن هناك شيئًا مخيفًا يقترب
وفي ليلة متأخرة
اتصل بها آدم فجأة
كان صوته غريبًا
هادئًا بشكل مرعب
قال
محتاج أشوفك
قابلته في نفس المكان المطل على المدينة
لكن هذه المرة
لم يكن يشبه نفسه
وجهه شاحب
وعيناه مليئتان بشيء يشبه الانكسار
اقتربت منه بقلق
مالك يا آدم
سكت طويلًا
ثم قال بصوت مخنوق
أنا مريض يا ريم
شعرت وكأن الكلمات لم تصلها جيدًا
يعني إيه
أخفض رأسه
سرطان
تجمد كل شيء داخلها
حتى الهواء اختفى
أكمل بصعوبة
اكتشفته من فترة والدكاترة قالوا إنه متأخر
بدأت دموع ريم تنهمر بلا توقف وهي تهز رأسها بعنف
لا لا أكيد في حل أكيد
ابتسم آدم بحزن
حاولت أقولك كتير بس كنت بخاف أشوف نظرة الوجع دي في عينيكي
أمسكت يده بقوة وهي تبكي
إحنا هنحارب فاهم هنحارب سوا
ومنذ تلك الليلة
بدأت رحلة الألم
المستشفيات
جلسات العلاج
الأدوية
الانتظار الطويل
الخوف الذي لا ينتهي
لكن ريم لم تتركه لحظة
كانت تجلس بجانبه بالساعات تقرأ له الكتب التي يحبها وتحكي له عن أحلامهما وكأن شيئًا لم يتغير
أما آدم
فكان يذبل يومًا بعد يوم
خسر وزنه
تساقط شعره
وأصبحت ابتسامته متعبة
لكن أكثر ما كان يؤلمه
هو رؤيتها تبكي سرًا
في إحدى الليالي داخل المستشفى استيقظ آدم فوجد ريم نائمة على الكرسي بجانبه
كانت ممسكة بيده حتى أثناء نومها
نظر إليها طويلًا
ثم ابتسم بحزن
همس بصوت ضعيف
أنا آسف إني حبيتك
فتحت ريم عينيها فورًا
ما تقولش كده
قال والدموع تلمع بعينيه
أنا ربطتك بحد هيمشي
اقتربت منه بسرعة
حتى لو العمر كله يوم واحد معاك فهو عندي عمر كامل
بكى آدم لأول مرة أمامها
بكى كطفل عاجز
ومرت الشهور
حتى جاء اليوم الذي خافت منه ريم دائمًا
كانت السماء تمطر بغزارة
وأجهزة المستشفى تصدر أصواتًا متقطعة مرعبة
دخلت ريم الغرفة بسرعة بعدما اتصلت بها الممرضة
وجدته مستلقيًا بصعوبة شديدة
أنفاسه ضعيفة
وعيناه تبحثان عنها
اقتربت منه وهي ترتجف
أنا هنا يا آدم أنا جنبك
ابتسم بصعوبة شديدة
ثم مد يده المرتعشة نحو وجهها
كنت عاوز أعيش معاكي أكتر
انفجرت ريم بالبكاء وهي تمسك يده
هتقوم فاهم هتقوم
لكن آدم كان يعرف
كان يشعر أن النهاية اقتربت
نظر إليها طويلًا
كأنه يحاول حفظ ملامحها الأخيرة داخل قلبه
ثم قال بصوت يكاد لا يُسمع
أوعى تنسي إن حد حبك بصدق
وبعدها
توقف كل شيء
صوت الأجهزة تحول إلى صفير طويل
بارد
مرعب
أما ريم
فظلت تمسك يده لوقت طويل وكأنها ترفض تصديق أنه رحل فعلًا
رحل الشخص الذي أعاد لقلبها الحياة
وأخذها معه
مرت سنة كاملة بعد وفاته
لكن ريم لم تعد كما كانت
أصبحت شاحبة
هادئة أكثر من اللازم
تذهب أحيانًا إلى نفس المكتبة التي جمعتهما أول مرة تجلس في نفس المكان وتفتح نفس الرواية القديمة
وفي كل مرة
تنظر نحو الباب تلقائيًا
كأن جزءًا منها ما زال ينتظر دخوله
وفي ليلة باردة
وقفت وحدها أمام النيل
تحمل الخاتم الذي أعطاها إياه
وعيناها ممتلئتان بالدموع
همست بصوت مكسور
أنا وعدتك أفضل عايشة بس الحياة بعدك ما بقتش حياة
ثم أغلقت يدها على الخاتم بقوة
وبكت
بكت كما لم تبكِ من قبل
لأن بعض الأشخاص
حين يرحلون
لا يأخذون قلوبنا فقط
بل يأخذون الأمل كله معهم






المزيد
فتاة الاقحوان
موت في الصمت
سؤال بلا إجابة