مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

التسول في مرآة التاريخ

بقلم: يحيى القطب 

ليست ظاهرة التسوّل وليدة عصرنا، ولا هي نتاج مدينة بعينها. فمنذ أن عرفت البشرية المدن والأسواق والطرقات العامة، ظهر معها مشهد مألوف: إنسان يجلس على حافة الطريق، يمدّ يده إلى المارّة طالبًا شيئًا يسدّ به رمقه.

ومنذ ذلك الحين تحاول المجتمعات أن تجيب عن السؤال نفسه: كيف نتعامل مع التسوّل؟

هل هو مشكلة فقر تستدعي الرحمة؟ أم ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى قوانين وردع؟

والتاريخ يخبرنا أن الحضارات جرّبت طرقًا متعددة، تراوحت بين الرعاية والردع وإلزام الناس بالعمل.

الرحمة دون تمجيد الظاهرة

في المجتمعات الدينية ظهر أول نموذج للتعامل مع الفقر، وهو نظام التكافل الاجتماعي.

وفي الحضارة الإسلامية تحديدًا نجد توازنًا دقيقًا بين الرحمة والكرامة الإنسانية.

فالقرآن الكريم مدح المتعففين الذين لا يسألون الناس، فقال تعالى:

﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.

فالتعفف هنا فضيلة ممدوحة، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الأفضل للإنسان أن يترفع عن السؤال.

لكن الإسلام في الوقت نفسه لم يأمر بإهانة المحتاج أو القسوة عليه، فقال جلّ وعلا:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾،

وقال أيضًا: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾.

وهذا التوازن يوضح فكرة مهمة: التسوّل ليس فعلًا محمودًا، لكن إهانة المحتاج ليست حلًا أيضًا.

ولهذا نشأت في المجتمعات الإسلامية نظم رعاية واسعة مثل: بيت المال، والأوقاف، والتكايا، وبيوت السبيل.

وكان الهدف منها سدّ حاجة الفقراء قبل أن يضطروا إلى مدّ أيديهم.

عندما تدخلت الدولة

مع توسع المدن في أوروبا في القرون الحديثة، بدأت الحكومات تلاحظ أن التسوّل لم يعد دائمًا نتيجة فقر، بل تحوّل في بعض الأحيان إلى حرفة منظّمة.

فصدرت قوانين صارمة.

في إنجلترا مثلًا ظهرت منذ القرن السادس عشر ما عُرف بـ قوانين الفقراء، التي فرّقت بين الفقير العاجز والمتسوّل القادر على العمل.

أما القادر على العمل فكان يُرسل إلى بيوت العمل، حيث يُجبر على العمل بدل التسوّل.

وفي فرنسا ظهرت مؤسسات مشابهة لإيواء المتسوّلين وتشغيلهم.

وفي روسيا القيصرية فُرضت قيود صارمة على التسوّل في المدن الكبرى، وكان المتسوّلون يُنقلون أحيانًا إلى مناطق عمل أو يُلزمون بمهن محددة.

كانت الفكرة واضحة: «من يقدر على العمل لا ينبغي أن يعيش من السؤال».

العمل بدل التسوّل

بعض الدول لم تكتفِ بالعقوبات، بل حاولت معالجة الظاهرة عبر إدماج الناس في العمل والإنتاج.

في مصر في القرن التاسع عشر، خلال عصر محمد علي والعهد الخديوي، شهد المجتمع تحولات كبيرة.

فقد فُرض التجنيد الإجباري، ونُظّم العمل في المشروعات الكبرى، وبدأ إرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا لتكوين طبقة جديدة من المتعلمين.

كما استُخدم العمل القسري أحيانًا في المشروعات الكبرى مثل حفر الترع وشقّ الطرق.

وبصرف النظر عن قسوة بعض هذه السياسات، فإنها أدت إلى نتيجة اجتماعية واضحة: تقليص البطالة والتسكع في المدن، لأن المجتمع كله كان يُدفع نحو العمل أو الخدمة.

لم يكن الهدف المعلن هو القضاء على التسوّل، لكن تنظيم المجتمع حول العمل والإنتاج كان أحد العوامل التي حدّت من انتشاره.

تجارب حديثة ناجحة

في العصر الحديث ظهرت تجارب أكثر توازنًا.

في ألمانيا مثلًا تعتمد الدولة على شبكة واسعة من الضمان الاجتماعي وبرامج إعادة التأهيل، بحيث يُعاد دمج المشرّدين والعاطلين في سوق العمل.

وفي اليابان تكاد تختفي ظاهرة التسوّل في الشوارع، ليس فقط بسبب الدعم الاجتماعي، بل أيضًا بسبب ثقافة العمل القوية والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالتسوّل.

فالمجتمع هناك يرى أن العمل، مهما كان بسيطًا، أكثر كرامة من السؤال.

تجربة سنغافورة

لكن ربما تكون التجربة الأبرز في العصر الحديث هي تجربة سنغافورة.

هذه الدولة الصغيرة التي كانت تعاني الفقر في منتصف القرن العشرين تبنّت سياسة واضحة:

التسوّل في الأماكن العامة ممنوع قانونًا، وتُفرض عقوبات على من يمارسه.

لكن الدولة في المقابل لا تترك المحتاج دون دعم، بل توفر:

  • برامج مساعدة اجتماعية
  • مراكز تأهيل للعمل
  • دعمًا مباشرًا للأسر الفقيرة

والفكرة الأساسية في هذه التجربة بسيطة:

لا يُترك الإنسان محتاجًا… لكن لا يُسمح بتحويل الحاجة إلى مهنة.

ما الذي نتعلمه من التاريخ؟

إذا نظرنا إلى هذه التجارب جميعًا سنجد أن المجتمعات التي نجحت في تقليص الظاهرة لم تعتمد على عنصر واحد؛ فلا الرحمة وحدها تكفي، ولا القوانين وحدها تكفي.

بل إن الحل كان دائمًا في معادلة تجمع بين:

الرعاية الاجتماعية، والقانون، وإتاحة العمل.

وعندها فقط يصبح السؤال في الشارع استثناءً نادرًا… لا ظاهرة يومية.