مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

إهمال الكفاءات والمحسوبية في المجتمع

إهمال الكفاءات والمحسوبية في المجتمع

طريق نحو هجرة الأدمغة


بقلم خيرة عبدالكريم الجزائر


تُعدّ الكفاءات البشرية الثروة الحقيقية لأي مجتمع يسعى إلى التقدم والازدهار. فالعلماء والباحثون والمهندسون والأطباء وغيرهم من أصحاب الخبرات يمثلون المحرك الأساسي للتنمية. غير أن العديد من المجتمعات العربية تعاني من مشكلة خطيرة تتمثل في إهمال الكفاءات والتعسف في التوظيف، حيث لا تُمنح الفرص دائمًا على أساس الاستحقاق والجدارة، بل كثيرًا ما تتدخل المحسوبية والعلاقات الشخصية في تحديد من يحصل على الوظائف والمناصب.
إن المحسوبية، التي تعني تفضيل الأقارب أو المعارف على حساب أصحاب الكفاءة، تؤدي إلى نتائج سلبية عديدة. فعندما يتم إقصاء الأشخاص المؤهلين واستبدالهم بأفراد أقل كفاءة، تتراجع جودة العمل والإنتاجية داخل المؤسسات. كما يشعر الشباب المتعلم بالإحباط وفقدان الأمل في تحقيق طموحاتهم داخل بلدانهم، خاصة عندما يرون أن جهودهم في الدراسة والتكوين لا تُقابل بالتقدير المناسب.
ومن أخطر النتائج المترتبة على هذه الظاهرة ما يُعرف بـ”هجرة الأدمغة”. فالكثير من الكفاءات العربية تختار الهجرة إلى دول أخرى توفر بيئة عمل عادلة، وتمنح فرصًا حقيقية للتطور والنجاح. في هذه الدول، يعتمد التوظيف غالبًا على الكفاءة والقدرة، مما يسمح للعقول المبدعة بإبراز إمكاناتها والمساهمة في التقدم العلمي والاقتصادي. وبهذا تخسر الدول العربية طاقات بشرية كان يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تطويرها.
ولا يقتصر تأثير هجرة الأدمغة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى الجوانب العلمية والاجتماعية أيضًا. فغياب الكفاءات يؤدي إلى ضعف البحث العلمي، وتأخر الابتكار، وتباطؤ التنمية. كما يخلق فجوة بين الإمكانات البشرية المتوفرة داخل المجتمع وبين القدرة على استثمارها بشكل صحيح.
ولمعالجة هذه المشكلة، يجب العمل على ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص والاعتماد على معايير واضحة وعادلة في التوظيف والترقية. كما ينبغي تعزيز الشفافية داخل المؤسسات، ومحاربة الفساد والمحسوبية بكل أشكالها. إضافة إلى ذلك، يجب توفير بيئة عمل تشجع الإبداع وتكافئ الاجتهاد، حتى يشعر أصحاب الكفاءات بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخل أوطانهم.
وفي الختام، إن بناء مجتمع متقدم لا يمكن أن يتحقق دون احترام الكفاءة وتقدير العلم والعمل الجاد. فإذا استطاعت المجتمعات العربية أن تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فإنها لن تحافظ فقط على عقولها المبدعة، بل ستفتح الطريق نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.