بقلم الدكتورة/إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي البحث عن الذات و كتاب طوظ
ليس التخلّي دائمًا دليلَ ضعفٍ أو هروب، بل قد يكون في كثيرٍ من الأحيان قمّة القوّة، وأسمى درجات النضج الإنساني. فالتخلّي ليس معناه أنّي لا أريدك، أو أنّ قلبي قد خلا من المشاعر، ولكنّه يعني أنّني اخترت أن أتخلّى عن كلّ ما يعكّر صفو حياتي، ويزعج راحتي، ويهزّ استقراري الداخلي. إنّ الإنسان لا يُطالب بأن يعيش في دوّامة من الألم لإثبات إخلاصه، ولا أن يعلّق روحه بأشخاص أو علاقاتٍ تُنهكه بدلاً من أن تمنحه السكينة.
التخلّي قرار واعٍ، يتّخذه المرء بعد إدراكٍ عميق بأنّ الاستمرار في بعض الروابط قد يجرح أكثر ممّا يُداوي، ويهدم أكثر ممّا يبني. إنّنا لا نتخلّى لأنّنا لم نعد نملك القدرة على العطاء، بل لأنّنا أدركنا أنّ الاستمرار في طريقٍ مسدود ليس وفاءً، بل استنزافًا بطيئًا يلتهم ما تبقّى من قوتنا. فكم من علاقةٍ تبدو في ظاهرها ألفة، وفي باطنها استنزاف لا ينتهي! وكم من أشخاصٍ نحبّهم بصدق، لكنّ قربهم يؤذينا بدون قصدٍ أو بغير قصد!
التخلّي ليس قسوة؛ القسوة أن نستمر في حمل أعباءٍ تُنهك أرواحنا، وأن نُبقي في حياتنا من يسرق طمأنينتنا. القسوة الحقيقية أن نخون أنفسنا من أجل إبقاء الآخرين. أمّا التخلّي فهو تصالح مع الذات، ووفاء للنفس، واعتراف بأنّ السلام الداخلي أولى من أيّ شيء آخر.
وفي رحلة الحياة، سنكتشف أنّ بعض الأشخاص مراحل، وبعض المواقف دروس، وبعض العلاقات امتحانات. وما إن ينتهي الدور، حتى يصبح التخلّي ضرورة لاستكمال الطريق بأقلّ الخسائر. إنّنا نتخلّى كي نكمل، لا كي نتوقّف. ونتقدّم خطوة إلى الأمام لأنّ العودة إلى الوراء لم تعد تُناسب نضجنا ولا رغبتنا في حياةٍ أكثر هدوءًا واتّساقًا.
لذلك، فإنّ التخلّي ليس نهاية، بل بداية جديدة، نُعيد فيها ترتيب قلوبنا، ونفتح فيها نوافذ للنور، ونمنح أنفسنا فرصةً لحياة لا تُشبه الألم، بل تُشبه ما نستحقّه من حبّ وراحة وسلام.






المزيد
وجهك الآخر على الشاشة: كيف غيّرت وسائل التواصل مفهوم الذات؟
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم