عنوان النص : فلوبير
بقلم : سيّدة مالك
.
.
عزيزي فلوبير، كلُّ الوردِ الذي تساقط باكرًا دون أن تلوكهُ الشفتين، دون أن يأذن لهُ الربّ، كان دومًا يسقط علينا أنا وأنتَ وحدنا، مُقلِّدًا تساقُطَ أعناقِ الدجاجِ مع كل فجرٍ، وهي تنظرُ نحو اللاشيء البعيد و المُبهِج . ويا للمسكينة، لن تُحرِّرُها السعادة ولا الموت .
قلتُ لهُ ما جال في خاطري، فظنَّ أنني أكيلُ له شيئًا من الحُبّ، وصار يضحك إذ يراني ويقرأ كثيرًا حتى خابَ نظرهُ، وجال فؤادهُ، وصَعُبت عليه الأيام .
وأنا الزوجةُ الطيّبةُ، أعلن أنّني لا أكنُّ لفلوبير سوى المشاعرِ العاديّةِ التي لا تبخسها الأيام، فلا أنا واقعةٌ في غرامهِ إلى درجةِ الهيام، ولا بُغضهِ إلى درجةِ النِّياح .
إنه، وكما أراهُ أنا، رشيقُ القامةِ، أفطسُ الأنفِ، واسعُ العينِ، ولا ينامُ إلا إذا غنّيتُ لهُ .
صوتي قبيح، لكنّه يقول أنّني أُذكِّرهُ بالسيّدة ” لالا”، والدتهُ التي كان يُصليّ من أجلها، بسيطًا حالمًا أن يسقط المطر على جسدها .
كان يقول إنّهُ يظنّ لو أنّ المطر، وهو الماء المُقدَّس بالنسبة لهُ، سقط على ذراع أُمّه سوف تنمو لها ذراعٌ جديدة .
لكنّي لا أجيبهُ، أتركهُ يتخيّل حتى ينزل الثلج نحوهُ، حتى يفرح، أو يجلب الفرح إلى مضجعهِ، فينامُ دون أن يبكي .
ذاتَ مساءٍ قرأ لي ما كتبهُ عنّي .
جلس على الكُرسي، دون أن يٌمشِّط شعرهُ أو يَسرَحَ بخيالهِ.
قرصني من أذني وأجلسني علي ساقهِ السليمة وقال لي بصوتٍ حَسَن، صوتٍ منحهُ له الله حتى يتلو القصائد، دون أن يملَّ السامعون من رؤية جسدهِ الهزيل .
آه، لقد كان صوتهُ تكريمًا للأشياء الميّتة .
لطالما احترمتهُ إذ قال : إني متنامٍ في الصغر يا يان، أدِبُّ كما النملة ببطء وشرود، والبثور تثور في جبيني، وكلما أُعالج واحدة تنمو أخرى .
في هذا الصباح لا كما تأملينَ أنتِ بي، بكامل حضورك ووهجك الذي لا يخبو، صرتُ خائبًا، جائرًا على المنطق، وكم أنتِ بعيدةٌ وهانئة، وحدهُ حُبُّكِ قد يأخُذني إلى الجنة.
قال لي ما كان ينقُصني حتى أُصابَ بالجنون .
كيف أمكنهُ أن يحنثَ بالقسم الذي قطعهُ قبل عشر سنين .
إنه يتهاوى في الوعيد . فجرَ اليوم، بعد أن فرغ من قراءة كلامهِ عنّي رأيته رؤيةً شفّافة، دون أن أُبجِّلهُ أو أُقلِّل منه . بدا لي رجلًا كبيرًا، وهو الذي لم يُنجب طفلًا واحدًا، وظنّت أُمه ورهبانُ القرية أنّه عاقِر .
فلا عرفوا عن عنفوانهِ شيئًا ، ولا عن خروجه مع الفجر يجرَّ قدمَهُ حتى يُطعم الغلمانَ التسعة .
وما علموا عن أطفالهِ الجائعين الذين جابوا رحمي وسقطوا مع الصباح دمًا مالحًا .






المزيد
بين الضجيج والصمت بقلم الكاتب هانى الميهى
مش مهم بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
فُردوس الأندَلُس. بقلم محمد طاهر سيَّار الخميسي.