مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أذكرني جيدًا

Img 20241120 Wa0012

كتبت  منال ربيعي

وأنا صغيرة، طفلة قصيرة، بيضاء نحيلة، بعيون ذهبية وشعر ذهبي. غرة مبعثرة على وجه دقيق الملامح، أنف صغير وفم دقيق بلون وردي، وأسنان صغيرة منتظمة. دائمًا باسمة، رقيقة، عفوية. أحب البعثرة والفوضى، ومع ذلك أعشق ترتيب كل شيء حولي. كنت أركض في الحقول الخضراء المحيطة بمنزلي، أجمع الزهور البيضاء والقرمزية التي تنبت حول البركة الصغيرة في آخر الطريق. أستنشق عبير الرياحين والنعناع النابتة حول أطراف الحقل القريب من منزلنا. أعشق رائحة الشجر، وكل ما فيه يجذبني: أوراقه، أغصانه، حتى رائحة جذوعه وأوراقه الذابلة. لا أنسى رائحة الأرض الطينية وهي مبللة بقطرات الندى.

 

كنت أدور حول نفسي وسط هذه الطبيعة كأني أستمد منها قوة عفوية، تلك التي تجعلني أقترب من كل كائن صغير بحب وخوف من إيذائه. أذكر مرة حين حررت طائرًا كان أخي قد أسره، غضب مني حينها، لكنني شعرت بالارتياح. وأتذكر عندما وضعت ذيل الثعبان الصغير قرب جحره الذي كنت أراقبه كل يوم، كنت أشعر وكأنني أشارك الطبيعة أسرارها.

 

أهدي الجميع ما يحبون، وأساعدهم بقدر استطاعتي. أذكر كيف غصت في مياه النيل لأول مرة، كانت باردة جدًا رغم حرارة الشمس الحارقة. وأتذكر كيف كنت أمسح رأس تمثال رمسيس الثاني الملقي في طريق مدرستي. كنت أشعر أنه شخص قوي يتحطم، وكأن جسده الحجري يئن ألمًا. كنت ألمس الرموز المحفورة على الخرطوش الملكي الذي يحمل اسمه “رع ميسو”، دون أن أعرف وقتها معناه. أنظر بشغف إلى تمثال ابنته “مريت آمون”، وابتسامتها الساحرة التي تأسرني.

 

أحببت الأقلام والدفاتر الجديدة، وعشقت رائحة الورق، والقصص الخيالية التي كنت أقرأها، كأنها أبواب لعوالم جديدة أعيشها. كنت بألف روح، كل واحدة تحكي قصة، وكل واحدة تبحث عن صوتها.

 

واليوم…

أطلق تلك الأرواح عبر الكتابة. أفتح لها الأبواب لتخرج وتتحدث وتحكي، ثم تختفي لتترك بصمتها على الورق. كل شخصية أكتبها، أقسم بداخلي أنها أنا، لكنها تسكن مكانًا خفيًا في داخلي، لا أعرفه، لكنه يعرفني جيدًا. وأنا، أترك نفسي أعيش كل تلك الحيوات مجددًا، كأنني ما زلت تلك الطفلة، تبتسم للعالم بكل براءته، وتمنحه من قلبها سلامًا لا ينتهي.