مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الأمل

Img 20241119 Wa0084(1)

 

كتب الطاهر عبد المحسن ابراهيم

 

الفصل الثالث: لقاء غير متوقع

 

كان السوق العربي يعج بالحركة والضجيج، كما هو الحال في كل يوم. المحلات تفتح أبوابها على مصراعيها، والعربات تمر في زحام شديد، والناس يمرون مسرعين وهم يحملون همومهم في قلوبهم. وبين هذا الحشد، كانت رمانه تقف كعادتها على أحد أرصفة السوق، تحمل في يديها حزمة من المناديل الممزقة، عيناها تبحثان عن الزبائن بين الحشود.

 

ثم مر أحمد، شاب في العقد الثاني من عمره، يرتدي ملابس بسيطة ولكن تعكس عليه ملامح الشغف بالحياة. كان يمر عبر السوق العربي متجهاً إلى عمله، ولكنه توقف فجأة عندما رأى رمانه تقف هناك، تنادي بأصوات ضعيفة: “مناديل، مناديل.”

 

اقترب أحمد منها، وابتسم بهدوء. كانت رمانه تلاحظ نظراته، لكن لم تهتم كما هي عادتها. لم يكن لدى الناس ما يعرضونه في الشوارع سوى القليل من المال، أما نظرات التعاطف فكانت أحيانًا أكثر إيلامًا من الصمت. لكنه لم يكن مثل الآخرين؛ اقترب منها وقال:

 

أحمد:

“رايك شنو تديني المناديل دي كلها واديك حقها دبل؟”

 

رمانه (بتردد):

“لي السبب شنو؟”

 

أحمد:

“أقصد، لو ما كان الموضوع عن القروش بس… لو كنت محتاجة لحاجة تانية، كنت بتبيعيني أمل؟”

 

لحظة صمت، وكان السؤال غريبًا بالنسبة لرمانه، ولكنه في الوقت ذاته جعلها تفكر في شيء لم تفكر فيه من قبل. عادة ما كانت تبيع الأشياء التي لا تُعيرها اهتمامًا، ولكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف. لم تكن هذه المرة مجرد زبون عابر، بل كان هناك شيء آخر في نبرة صوته.

 

رمانه (بحذر):

“الأمل؟ ما بقدر أبيع الأمل… دا حاجة ما ليها ثمن.”

 

أحمد:

“ممكن، لكن الناس محتاجين للأمل بأشكال مختلفة. يمكن ما بالكلام، لكن بيحتاجوه. ما فكرتي في الموضوع دا قبل كده؟”

 

فجأة، شعرت رمانه بشيء غريب. لم تكن قد فكرت في الأمل بشكل جدي منذ وقت طويل. كانت تعيش من أجل البقاء فقط، لكن كلماته جعلتها تشعر بشيء غير مألوف داخلها.

 

رمانه (بصوت منخفض):

“الأمل؟ يمكن كان في يوم، لكن ما عارفه لو لسه عندي منه حاجة.”

 

ابتسم أحمد بحزن، ثم قال:

 

أحمد:

“لكن لسه بتحاولي، صح؟ دا بيوضح إنك لسه عندك حاجة. يمكن بنحتاج نذكر نفسنا بيه كل يوم.”

 

شعر أحمد بشيء من التأثر، ورغم أن الحديث كان بسيطًا، إلا أن الكلمات تركت أثراً في نفسه. رمانه، الفتاة التي كانت تعيش وسط صمت شوارع الخرطوم، بدأت في تلك اللحظة تفتح نافذة صغيرة للأمل.

 

منذ ذلك اليوم، بدأ أحمد يمر يوميًا عبر السوق العربي. لم يكن يذهب إلى هناك ليشتري مناديل، بل ليطمئن على رمانه. كان يراها هناك كل يوم، تعيش حياتها، تبيع المناديل للناس، ولكن في أعينها كان هناك شيء بدأ يتغير. وأحمد، رغم أن حديثه مع رمانه كان بسيطًا، بدأ يشعر بأن هناك شيئًا في حياته أصبح أكثر وضوحًا؛ ربما كان الأمل في لقاء آخر.

يُتبع……