كتبته: سبأ الجاسم الحوري.
لو امتلكتُ تلك السّاعةَ العكسيّة، لعُدتُ إلى طفولتي التي ضاعت بين أنقاض الحروب وصخب الخوف. كنتُ سأجمعُ بقايا اللّحظات السّعيدة، تلك التي سُلبت منّي في غفلةٍ من الزمن، وأُعيد ترتيبها على هيئة ضحكاتٍ بريئة وصباحاتٍ آمنة، بعيدة عن أصوات القذائف ورائحة الدّمار، كنتُ سأبحثُ عن تلك الأيّام التي أردتُ أن ألهو فيها كغيري، لكنّ الحياة سرقتني إلى مكانٍ لم أكن أستحقّه.
ولو كانت بيدي، لعُدتُ إلى اللّحظات التي كنتُ أتقاعسُ فيها عن أشياءٍ كنتُ أعتبرها حينها ترفًا، لكنّني أدركتُ اليوم أنّها كانت أهمّ ممّا تخيّلت، كنتُ سأقضي ساعاتٍ طويلة في قراءة الكتب، تلك التي كنتُ أتجاهلها لأنّ الحزن كان يثقلني، أو لأنّني كنتُ أظنُّ أن الوقتَ لا يزال أمامي.
كنتُ سأعودُ إلى تلك الزاوية من طفولتي، حينَ كنتُ أشاهدُ الحزنَ يتسلّلُ إلى وجوه من حولي، فأظلُّ صامتًا، غير قادرٍ على التغيير، كنتُ سأمدُّ يدي حينها، لأمسحَ دمعةً هنا، أو أُطلقَ كلمةً مطمئنةً هناك، أو أحتضنُ ما تبقّى من قلوبٍ هشّمها الوجع.
ولو أمكنني استخدامُ تلك السّاعة، لكنتُ رجعتُ إلى أيّامٍ تمنّيتُ فيها أن أكونَ أقوى، أن أسعى أكثر، أن أكون ذلك الطّفل الفضوليّ الذي يبحث عن الإجابات بدلًا من أن يغرق في صمت الأسئلة، كنتُ سأعيد تشكيل أيّامي، أصنعُ منها لوحةً تُشبهُ الحلم الذي لطالما تردّد في رأسي، حتّى في أصعب اللحظات.
لكنّني اليوم، وأنا أسترجع كلّ ذلك، أدركُ أنّ الماضي كان قاسيًا، لكنّه صنعني، السّاعةُ العكسيّة هي خيالٌ، لكنّ ما أعيشه اليوم هو الحقيقة، والحقيقة تقول إنّني قادرٌ على بناء لحظاتٍ جديدة، قد تكون عِوضًا عن كلّ ما فاتني.






المزيد
حكاية كتاب قديم بقلم بثينة الصادق أحمد (عاصي)
الأصالة لا تُشترى بقلم ابن الصعيد الهواري
خذلان بقلم إسراء حسن عبدالله