مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الشخص الذي يستخدم الضحك كدفاع نفسي

بقلم الدكتورة/إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)

يبدو الضحك في ظاهره علامة على الخفّة والبهجة، لكنّه في كثير من الأحيان يكون قناعًا متقنًا يضعه بعض الأشخاص ليخفوا خلفه جراحهم ومخاوفهم. فهناك فئة من الناس تتخذ من المزاح والابتسام وسيلة للدفاع النفسي، ليس لأن حياتهم خالية من الهموم، بل لأنهم يجدون في الضحك مهربًا آمنًا من مواجهة ألمٍ لا يملكون القدرة على البوح به.

الشخص الذي يستخدم الضحك كدرعٍ نفسي غالبًا ما يخشى الاعتراف بضعفه، ويخاف أن تُرى هشاشته أمام الآخرين، فيظن أن المزاح يجنّبه الأسئلة ويُبعد عنه نظرات الشفقة. فتراه يحوّل المواقف الصعبة إلى نكات، ويخفي انكساره خلف جملة ساخرة، وربما يضحك في لحظةٍ كان من الطبيعي أن يبكي فيها. كل ذلك لأنه تعلّم أن الضحك يجعله أقل عرضة للانتقاد، وأكثر قبولًا اجتماعيًا.

ورغم أنّ هذا السلوك يبدو بسيطًا في ظاهره، إلا أنّه يحمِل آثارًا نفسية عميقة. فالإنسان الذي يُضحك الجميع وهو موجوع في داخله يعيش حياة مزدوجة؛ حياة يقدّمها للناس مليئة بالدعابة والمرح، وحياة داخلية صامتة يثقلها التعب النفسي. وحين يختلي بنفسه، يهدأ كل هذا الضجيج الظاهري، ويظهر الألم الذي خبّأه طويلًا. كثيرون من هؤلاء يشعرون بوحدة شديدة رغم حضورهم الاجتماعي الواضح، لأنهم لا يجدون من يفهم حقيقة ما يمرون به.

الضحك هنا لا يكون تعبيرًا عن الفرح، بل محاولة لإخفاء جرح، أو وسيلة للهروب من مواجهة شعور مؤلم كالخوف، أو القلق، أو الرفض، أو الإحباط. وفي لحظة ما، قد يتحوّل هذا السلوك إلى عادة لا يستطيع الشخص التخلص منها، فيضحك حتى عندما يحتاج لطلب المساعدة، ويهزر بدلًا من أن يعبّر، وكأن الضحك أصبح لغته الدفاعية الأساسية.

ولكي نساعد هذا النوع من الأشخاص، علينا أن ننتبه لعلاماتهم؛ مثل المبالغة في المزاح في اللحظات الجادة، أو الانسحاب السريع بعد التجمعات، أو الهدوء المفاجئ بعد الضحك الكثير. كما يحتاجون إلى مساحة آمنة يستطيعون فيها الحديث دون خوف من الحكم عليهم، وأن يسمعوا كلمات بسيطة تمنحهم الإذن بأن يكونوا بشرًا:
“لا بأس أن تتعب… لا بأس أن تتحدث… ولا بأس أن تُظهر مشاعرك كما هي.”

فالضحك جميل حين يكون تعبيرًا صادقًا عن الفرح، لكنه يصبح عبئًا حين يتحوّل إلى جدارٍ يفصل الإنسان عن نفسه. والشفاء يبدأ حين يجرؤ الإنسان على خلع هذا القناع، ويمنح ذاته فرصة للبوح قبل أن يختنق خلف ابتسامة ليست حقيقية.