الكاتب/ عمرو سمير شعيب
يبدو الضحك في لحظات كثيرة مجرّد ارتعاشة خفيفة على سطح الوجه، لكنّه في عمقه فعل وجودي كامل، يمارسه الإنسان حين يشعر أن العالم صار أثقل مما يحتمله. ليس ضحك الهاربين، ولا ضحك المستخفّين، بل ضحك أولئك الذين أدركوا أنّ الجدية المطلقة ليست قدرًا، وأنّ الحياة حين تضيق لا تحتاج إلى صرخة، بل إلى مسافة. فحين يضحك الإنسان في ساعة كان يُنتظر منه أن ينكسر، فهو لا يتخفّى وراء ابتسامة؛ بل يعيد ترتيب العلاقة بينه وبين ما يحدث له، كمن يواجه العاصفة بخفّة محسوبة حتى لا تقتلع جذوره.
الضحك هنا يتحوّل إلى لغة ثانية للذات، لغة لا تقول ما نشعر به بشكل مباشر، لكنها تكشفه بطريقة لا تستطيع الكلمات حملها. فالإنسان حين يضحك وهو موجوع لا ينكر ألمه ولا يخجل منه، بل يدرك أن البوح ليس دائمًا الشكل الأنسب للصدق. أحيانًا ينهار الكلام تحت ثقل الشعور، فيأتي الضحك ليمنح التجربة شكلًا يمكن احتماله. إنه ليس تجميلًا للجرح، بل إعادة صياغة له حتى لا يبتلع صاحبه. كأن الضحك يهمس: “سأظل موجودًا رغم كل هذا.”
وحين ينتقل الضحك من كونه انفعالًا سريعًا إلى كونه ردًّا على ما يفوق القدرة، يصبح عبارة عن مسافة يصنعها الإنسان بينه وبين اللحظة. هذه المسافة ليست انسحابًا، بل رؤية أوضح. من يضحك أمام ضغوط الحياة لا يهرب منها، بل يرفض أن تتحوّل إلى مركز يبتلع كامل وجوده. يضحك كي يقول إنّه ما زال يملك الحق في تفسير العالم على طريقته، وأنّ الألم مهما اشتدّ لا يحق له أن يفرض شكل الشعور الوحيد.
ولأن الظهور أمام الآخرين دائمًا مفاوضة لا كشفًا كاملاً، فإن الضحك يصبح الحدّ الذي يحفظ به الإنسان خصوصيته العميقة. ليس لأنه يخشى أن يُرى، بل لأنه يعرف أنّ بعض المشاعر لا ينبغي أن تُعرَض في الضوء. الضحك إذًا ليس قناعًا يخدع به الآخرين، بل بوابة يسيطر من خلالها على ما يسمح للآخرين بدخوله وما يبقيه له وحده. ومن خلال هذه المسافة، يصنع الإنسان نسخته القابلة للعيش، دون أن يخون نسخته الكاملة.
وفي العلاقة بين الضحك والبكاء، ليست هناك مفاضلة فلسفية بين صدق وآخر. كلاهما طريقان للحقيقة، غير أن الضحك يملك قدرة خاصة على تفكيك اللحظة وتخفيف وزنها وإعادة تركيبها. البكاء يواجه الألم من الداخل، أما الضحك فيضعه على الطاولة، يتأمله من الخارج، ثم يقرر ألا يسمح له أن ينتصر. الضحك هنا ليس خفة، بل شجاعة. شجاعة أن تظل واقفًا أمام ما يريد أن يحنيك، وشجاعة أن تقول إنك بحاجة لهوامش كي تستمر.
فالإنسان الذي يضحك وهو متعب لا يخون حزنه، بل يحميه من أن يُبتذل. ولا يخفي هشاشته، بل يحفظها في مساحة لا يطالها الآخرون. الضحك في النهاية ليس إنكارًا ولا زيفًا، بل طريقة للتعامل مع الحقيقة، طريقة تمنح العالم حجمًا أقل مما يحاول أن يكون عليه. إنه الفعل الصغير الذي يمدّد قدرة الروح على التحمل، ويذكّر الإنسان بأن الحياة يمكن أن تكون أوسع مما تفرضه لحظاتها القاسية.






المزيد
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق
متاهة الحب