مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

هل المشكلة في الواسطة أم في النظام؟

بقلم: ليمار وليد

الواسطة: وسيلة بات البعض يراها طريقاً لتحقيق النجاح في أبسط الخطوات؛ حيث أصبح الإنسان يسعى لتوسيع دائرته الاجتماعية من أجل تسهيل أعماله، بدلاً من أن يرتكز سعيه على تحقيقها بجهده الذاتي.

منذ قيام المجتمعات والواسطة موجودة، ولا أحد ينكر أنها نشأت مع نشأة التجمعات البشرية، لكن المثير للقلق أنها اليوم أصبحت منهجاً يسير عليه جزء كبير من الناس؛ إذ يرى البعض أنه إذا أراد الوصول إلى حلمه، فمن الضروري أن يعرف أشخاصاً في المجال الذي يسلكه، ليس لاكتساب الخبرة منهم، بل لتسهيل العبور فقط.

وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، في إشارة واضحة إلى ترسيخ مبدأ العدالة ونبذ المحاباة والظلم.

المحركات الإدارية والاجتماعية خلف الظاهرة

لا يمكن إنكار أن للتوسع في استخدام الواسطة أسباباً ونتائج معقدة ساهمت في خلق خلل داخل البناء المجتمعي. فليست فئة الباحثين عن العمل وحدها من تلجأ للواسطة، بل هناك أبعاد أخرى تدفع نحوها:

 تعقيد الإجراءات: قد تكون المعاملات الإدارية نفسها طويلة ومطوّلة بشكل يصعب تحمله، مما يدفع البعض للبحث عن طرق مختصرة تفرضها الظروف المادية أو الأسرية الطارئة.

 محدودية الفرص: قلة الفرص المتاحة مقارنة بأعداد المتقدمين الهائلة، تجعل البعض يتسابق للحصول على الفرصة قبل أن تسبقه الظروف أو يسبقه غيره.

 غياب معايير العدالة: تقابل رغبة الباحث عن الواسطة، عقليةُ مدير أو مسؤول يفكر بالطريقة ذاتها ويعتمد على معارفه الشخصية في تقييم الاستحقاق.

ولا تقتصر الواسطة على التوظيف فحسب، بل تمتد لتشمل قطاعات التعليم، ونتائج القبول، ورصد الدرجات، وصولاً إلى المعاملات والخدمات اليومية.

الآثار النفسية والمجتمعية

ورغم أن البعض يبررها في حالات استثنائية طارئة كإنقاذ أسرة من عوز، إلا أنها تظل في جوهرها ممارسة تحمل آثاراً سلبية عميقة، من أبرزها:

1 الإحباط واليأس: الذي يصيب الكفاءات والمجتهدين عند رؤية الأقل كفاءة يتصدرون المشهد بفضل العلاقات.

2 غياب الاستحقاق: تحول معيار الكفاءة من “ماذا تعرف وتتقن؟” إلى “مَن تعرف؟”.

3 اهتزاز الثقة: إضعاف ثقة الأفراد في المؤسسات، وجعل المجتمع يقدم الولاءات والعلاقات الشخصية على نصوص القانون.

جدلية السبب والنتيجة: أين الخلل؟

هل الواسطة هي المشكلة؟ أم أن النظام هو الذي يلجأ الناس بسببه إليها؟

الواقع أن الواسطة ليست سوى نتيجة لسلوك إداري ومجتمعي معقّد؛ فهي تتغذى على وجود أنظمة غير مرنة أو فرص محدودة لا تكفي الجميع. لذا، يمكن القول إن الواسطة ليست المشكلة منفردة، بل هي “العَرَض” لنظام يدفع الناس دفعاً نحوها؛ فإذا ساء النظام تفاقمت الظاهرة، وإذا تفاقمت زاد الاعتماد عليها داخل البنية الإدارية.

الخلاصة:

تبقى العلاقة بين الواسطة والنظام علاقة طردية وتفاعلية؛ فإصلاح البيئة التنظيمية وتطبيق القانون بالشفافية المطلقة ينعكس مباشرة على تراجع الظاهرة، بينما إهمالهما معاً يؤدي إلى استدامة الخلل وضياع الحقوق.