غوثي

Img 20240614 Wa0027

 

كتبت زينب حسين 

وقفت تتابع تمَوّجات البحر ونسمات الهواء تتلاعب في خصلات شعرها الإسود والدموع تُذرف من مقلتيها كمن يشكي همومه إلى البحر بصمت وكأن البحر سوف يشعر بها .. ظلت تنظر إلى البحر إلا أن تقدمت تتجه نحو البحر بخطوات بطيئة وهي لا تعي ماذا تفعل ظلت تتقدم وتتقدم كجسد بلا روح إلى أن وصلت إلى نصف البحر وقد أوشكت على الغوص في الأعماق ، كادت أن تُلقي بنفسها إلى قاع البحر وفي لمح البصر أمسكها من يديها ليبعدها قليلاً عن القاع ، إلتفتت إليه مسرعه لترى من ينقذها وقد صرخت في وجهه بأعلى صوت وهي تقول.

_” لماذا أمسكتني دعني اموت ، دع البحر يأخذني ، أريد أن أموت” 

نظر لها بشفقة وقال لها .

_” هل روحك ليست بلا قيمة إلى هذه الدرجة ماذا تفعلين ؟ 

نظرت له نظرات جافة وبلا روح وبعد ثواني قليله فقدت الوعي و وقعت بين يديه ، حملها فوراً وخرج بها من البحر و وضعها ف سيارته واتجه بها نحو المشفى .. 

 

في المشفى كانت تتسطح السرير وهي نائمة بعمق أثر المُهدئ الذي أعطاه لها وكان يقف يتفحص ملامح وجهها وكانت تقف معه ممرضة تدعى أمل ، نظرت إليه الممرضة وسألته.

_” كيف وجدتها يا أستاذي ولماذا جلبتها إلى هنا ،هل تعاني من مرض نفسي ؟ 

رد عليها وهو يتابع النظر لها وقال .

_” لقد كانت تريد أن تنتحر ، كانت تريد أن تقتل نفسها ،لا أعرف لماذا ولكن سوف اعرف وسوف أحرص على علاجها وتغييرها إلى الأفضل “

 

وبعد مدة من الوقت إستيقظت من نومها وكان هو قد خرج وظلت بجوارها الممرضة أمل ، 

تلملمت هي على السرير وظلت تفتح في عينيها وتغلق لتتأكد أين هي وفور أن رأت الممرضة عدلت في وضعها على السرير وجلست تنظر لها وتقول ،

_” أين انا ، ومن انتي ” 

لم تعرف أنها ممرضة لأنها لم تكن ترتدي ثياب الممرضين وأيضاً المشفى من شكلها لا يدل على انها مشفى ف هي أشبه بمكان طبيعي يريح النفس يملأه الزرع في كل مكان وفي كل غرفة مزروع بها الورود وأوراق الريحان والنعناع لتريح أفأدة المرضى ، ظلت تنظر إلى الغرفة وإلى جمالها ثم رسمت بسمة خفيفة على ملامحها حيث تقدمت أمل نحوها أكثر وقالت وهي تبتسم لها.

_” إن إبتسامتك جميلة جداً وكذالك عيناك الفيروزتان ، ماشاء الله على جمالك أرجو من الله أن يحفظك ” 

نكست رأسها بحزن وكسرة وقالت.

_” لقد كنت جميلة في وقت ما ولكن انا الآن أتعس أنسانة على وجه الارض “

نظرت لها أمل بحزن وقالت .

_” لا تقولي ذالك ف لكل مشكلة حل ولكل حزن فرح سوف يزوره ويمحو معه الحزن ، صدقيني الحياة مُرّها سوف يزول بالتأكيد ” 

نظرت لها بحزن ولم تعقب على حديثها من ما بادرتها أمل بالسؤال قائله.

_” هل من الممكن أن نصبح اصدقاء وتقولي لي ما إسمك ، أنا إسمي أمل ” 

ومدت يديها لها لكي تصافحها،بادرتها المصافحة وقالت.

_” وأنا إسمي لَميس ” 

إبتسمت لها امل وقالت.

_” لقد تشرفت بمعرفتك كثيراً يا لميس ،ولكن لم تجاوبيني هل من الممكن أن نصبح اصدقاء ؟

نظرت لها لميس بتوتر لا تعرف ماذا تجاوبها.. وبعد صمت ردت عليها مردفه.

_” لا أعرف ف انا لم أحظى بأي اصدقاء من قبل ” 

قالت لها أمل بحماس.

_” فلتجربي ما رأيك؟

رسمت بسمة خفيفة وقالت.

_” حسناً لما لا” 

عانقتها أمل بخفة وكان الطبيب يراهم من خلف الباب وإبتسم لأنه زُرع في قلبه امل بأنها سوف تتعالج.. 

 

وبعد مدة من الوقت لا تقل عن ثلاث ساعات أخذت لميس تتسحب من الغرفة بخطوات خفيفة لكي تتفقد المكان الذي تتواجد به وأثناء وهي تتمشى وقف هو امامها بوجه مبتسم قائلاً.

_” إلى أين هكذا”

ضيقت ما بين حاجبها لتتذكر من هذا الشخص وفور أن تذكرت شاورت عليه بإصبعها قائله.

_” هذا انت! .. أنت من أخرجتني من البحر” 

إبتسم لها وقال .

_” نعم أنا ، هل تسمحين لي بأن أتحدث معك قليلاً” 

نظرت له باستغراب وقالت.

_” ولماذا تتحدث معي ، من أنت وأين انا ، مهو هذا المكان أريد أن أفهم” 

 

” تعالي معي وسوف تعرفين كل شيء”

وإلتفت يلوي لها ظهره ومشى خطوات خفيفه نحو مكتبه لكي يتأكد أنها تمشي خلفه وبالفعل إنصاعت خلفه إلى أن وصلى إلى مكتبه ودلفه وظلت هي واقفه على أعتاب المكتب.. بعدها عاد النظر إليها وقال.

_” لماذا تقفين هكذا تفضلي بالدلوف ودعي الباب مفتوح لكي لا تقلقي من شيء” 

دلفت إلى المكتب بخطوات بطيئة وكانت تؤخر قدماً وتقدم الأخرى إلى ان وصلت إلى موضع الجلوس وجلست أمام مكتبه..

 

بدأ هو بالحديث والبسمة لاتزال على وجهه مردفاً.

_” لا أريدك أن تخافي من أي شيء أو تتوتري ،سوف أقول لكي من انا وأين انت لكن بدون اي ردود أفعال مفاجئه وسوف أشرح لكي عن سبب قدومي بكِ إلى هنا ، إتفقنا؟

صمتت قليلاً ولكنها أومأت له بالموافقه لا تعرف لماذا تنصاع لكل كلامه هل من أجل هيبته وشخصيته أم ماذا..

بدأ بالتحدث مردفاً.

_” أنا ادعى الطبيب يمان اعمل طبيب نفسي وهذه المشفى الصغيرة لي أستدعي فيها كل من يريد ان يعالج نفسيته لقد صممتها لأجلهم لكي ترسم السعادة على وجوههم دائماً مثل ما رسمت عليكي فور أن استيقظتي ورأيتي منظر الغرفة التي كنتي نائمة بها ” 

نهضت من مكانها بغضب و توتر وقالت.

_” وهل تراني بأني مريضة نفسيه لكي تأتي بي إلى هنا ؟!

رد عليها بهدوء وقال.

_” أنا لم أقل لكِ بأنك مريضه نفسيه ولكن من تريد أن تفرط في روحها وأن تنتحر ف هذا يدل على أن نفسيتك سيئة”

إنفعلت في وجهه بصوت عالٍ وقالت .

_” وهل تعرف ماذا حدث معي لكي أجبر على قتل نفسي ، هل تعرف ماذا خسرت وماذا فقدت في حياتي ، هل تعرف بأن حياتي قد دُمرت بالكامل لم يعد هناك جدوى للعيش بها” 

 

ظل صدرها يعلو ويهبط من كثرة الغضب و الانفعال ثم نزلت عباراتها تلقائياً وظلت تبكي بشدة ، لم يريد أن يقاطعها لكي تبوح بكل ما يجول بخاطرها ، وظلت هي تبكي وتنهد بشدة وتقول من بين نوبات بكائها.

_” لقد.. لقد كنت فتاة جميلة لقد كنت أحب الحياة واحب أن أبتسم دائماً ولكن الحياة لم تكن منصفة معي بما فيه الكفاية ، لقد خذلتني وبشدة لقد أخذت مني والداي امي فقدتها وابي فقدته الاثنين الذي كنت اعيش من اجلهم تركوني وذهبو والشخص الذي كنت احبه وكنت على وشك الزواج به طعنني وخانني ، لقد كان والداي قد حذراني منه ولاكني لم أصدقهم وها قد ذهبو بدون أن يسامحاني ، فقل لي لماذا اعيش لما العيش في حياة ليست حياة بالنسبة لي، لما العيش في حياة قد أنهكتني ودمرتني “

 

نظر لها بحزن وألم لأجلها ثم نهض وقال لها بهدوء.

_” طالما أنتي مازلتي على قيد الحياة ف مازال لديكي حياة لتعيشيها ، نعم لقد وضعكي الله في امتحانات كبيرة ولكن هو على علم بأنك سوف تتخطيها ، فقد والديك يعد أكبر إمتحان لكي ولكن ثقي بي سوف تتخطيه ، إن نظرتي إلى حكمه الله وكيف يعوض الإنسان ويمنحه أجر عظيم سوف تتعجبين من انه كيف يحول الحال الذي لا يرثى له إلى أفضل حال ، لقد إنتظر سيدنا يعقوب إبنه يوسف ٤٠ سنة وقد أعمى بصره ومسه الضر ، ولكن بعد صبر قد أعاد الله له بصره و ولده وها قد جبر ، مثل ما حدث مع صحابه وأنبياء كثر ، لقد تعذب الرسول في نشر الاسلام ولكن في النهاية قد ادت رسالته ونشر الاسلام، نحن هنا في هذه الحياة لكي نجتاز الاختبارات ولكي نصبر على قضاء الله ولكي نعبده حق عبادته، ولننعم أخيراً بنعيم الجنة” 

نظرت له بتشتت وتيه ، ما أن هدأت ثورتها قليلاً أردفت بحزن.

_” ولكن كيف أصبح هكذا ، كيف أشعر بأن رحمة الله قد نزلت على قلبي لتخف من آلامه قليلاً ، كيف أتقرب من الله وأعبده حق عبادته ” 

 

نظر لها يمان بهدوء وقال.

_” تابعي معي وأنا واثق بأنك سوف تتغيرين إلى الأحسن ، ولكن يجب أن يكون لديكي عزيمة للعيش مجدداً..

 

وبعد عامين من محاولة في التغيير والتحسن.. كانت تقف أمام المرآة ومعها أمل وكانت البسمة تزين ملامح وجهها الجميلة وها قد عادت إشراقت وجهها مجدداً..

لمعت العبارات في عينيها أثر فرحتها وقالت لها.

_” هل أبدو جميلة يا أمل ،هل سوف ينبهر يمان بي” 

نظرت لها أمل بحب وضمت صفحة وجهها بكلا كفيّها وقالت.

_” هو يحبك بكل حالاتك يا لميس واليوم سوف يزيد حبه حباً فوق حبه “

كانت لميس مرتديه فستانها الأبيض وحجابها الذي زادها جمالاً عن جمالها وكان اليوم هو يوم زفافها مع يمان الذي ساعدها طول مدة العامين واعجب بها و تقدم فوراً ..

 

دق يمان الباب حيث أزنت له أمل و فور أن رأها أضائت عيناه بوميض من الحب و العشق ، تقدم نحوها بضع خطوات إلى أن وصل إليها ثم قبلها من جبهتها وقال.

_” لم أكن أصدق في حياتي انه سوف يأتي يوم وسوف أعشق بجنون ، لقد كنت زاهداً للحب ولكن أتيتي انتي ولقد شعرت بالإرتياح بوجودك “

نظرت له بحب وقالت.

_” لقد فهمت حكمة الله بوجودك لقد عوضني الله بك وكان هذا اعظم عوض لي في هذه الحياة اتمنى أن نظل معاً في الحياة وأن يرزقنا الله نعيم الجنة ان شاء الله..

عن المؤلف