صدفة اللقاء… وأمل الرسالة الأخيرة
قصة قصيرة
بقلم /خيرة عبدالكريم
لم يكن جلال يعلم أن صدفة صغيرة قد تغيّر شيئًا كبيرًا في قلبه، ولم تكن حسنة تتوقع أن تجد في كلمات صحفيٍّ غريب حكايةً تشبه أحلامها.
كان جلال صحفيًّا يعشق البحث عن الحقيقة بين السطور، وكانت حسنة كاتبةً تجد في الحروف ملجأً من ضجيج الحياة. جمعتهما صدفة لقاء، لم يكن طويلًا، لكنه كان كافيًا ليوقظ في قلبيهما شعورًا لم يعرفا له اسمًا في البداية.
بدأت الحكاية بكلمات عابرة، ثم تحولت إلى أحاديث طويلة، وإلى تفاهم نادر جعلهما يشعران وكأنهما يعرفان بعضهما منذ سنوات. كان كلٌّ منهما يجد في الآخر راحةً لا تشبه أيّ شيء عرفه من قبل. ومع الأيام، صار جلال ينتظر حديث حسنة، وصارت هي تبتسم كلما ظهر اسمه أمامها.
لم يجمعهما الواقع كما تمنّيا، ولم تمنحهما الحياة فرصة لقاءٍ حقيقي يجمع قلبيهما تحت سقف واحد، لكن التواصل بينهما صنع عالمًا صغيرًا، عالمًا بنياه بالكلمات والاهتمام والأحلام.
أحبّت حسنة جلال بصمتٍ عميق، حبًّا لم تكن تحتاج معه إلى وعود كثيرة، بل إلى شعور واحد يطمئنها بأنها ليست وحدها في هذه الحكاية.
لكن الحياة لم تكن دائمًا رحيمة بالأحلام.
توالت المشاكل، واشتدت الظروف، ووجدت حسنة نفسها أمام أمور لم تخترها، وقيود لم تكن قادرة على تجاوزها. بدأت تتراجع أحيانًا، وتتأخر في الرد أحيانًا أخرى، ليس لأنها لم تعد تحب جلال، بل لأنها كانت تحاول أن ترتّب فوضى حياتها قبل أن تخسره.
غير أن جلال لم يفهم صمتها كما أرادت له أن يفهمه. ظنّ أنها مترددة في علاقتها به، وأن قلبها لم يحسم أمره نحوه. كان ينتظر منها خطوةً تطمئنه، بينما كانت هي تنتظر أن يشعر بما تعجز عن قوله.
وهكذا، ابتعد كلٌّ منهما عن الآخر، لا لأن الحب انتهى، بل لأن سوء الفهم وقف بين قلبين لم يعرفا كيف يشرحان أوجاعهما.
افترقا دون وداعٍ يليق بكل تلك المشاعر، ودون أن يمنح أحدهما الآخر فرصةً أخيرة ليقول الحقيقة كاملة.
ومضت الأيام، لكن حسنة لم تستطع أن تمحو جلال من ذاكرتها. كانت تفتح هاتفها كل مساء، تتفقد رسائلها، ثم تغلقه بقلبٍ مثقل بالأسئلة.
هل نسيها؟ هل ظنّ أنها لم تحبه يومًا؟ هل ما زال يتذكر حديثهما كما تتذكره هي؟
كانت تتمنى لو يعود ليقرأ ما بين صمتها من خوف، وما بين ابتعادها من ألم، وما بين كلماتها القليلة من حبٍّ لم يتغير.
لم تكن تنتظر اعتذارًا، ولا وعودًا كبيرة، بل رسالة واحدة منه، رسالة تخبرها أن ما عاشاه لم يكن وهمًا، وأنها لم تكن الوحيدة التي حملت تلك الحكاية في قلبها.
وفي كل ليلة، كانت تقول لنفسها: «ربما يكتب لي غدًا… ربما لم ينسَ… ربما ينتظر هو أيضًا أن أبدأ».
لكن الغد كان يأتي، والهاتف يبقى صامتًا.
ومع ذلك، لم تغلق حسنة الباب تمامًا. فقد كانت تؤمن أن بعض اللقاءات، وإن بدأت صدفة، تترك في الروح أثرًا لا تمحوه المسافات، وأن بعض الأشخاص لا نحبهم لأنهم بقوا معنا، بل لأنهم مرّوا في حياتنا وتركوا شيئًا لا يشبه أحدًا سواهم.
بقيت حسنة تنتظر رسالة جلال، لا لأنها عاجزة عن المضيّ قدمًا، بل لأن في قلبها حكايةً لم تحصل على نهايتها.
وربما كان جلال يظن أنها اختارت الرحيل، بينما كانت هي تتمنى لو يعرف أنه كان الشخص الذي لم تختر ظروفها أن تخسره.
وهكذا، ظلّت قصتهما معلّقة بين صدفة جمعتهما، وظروف فرّقتهما، ورسالةٍ لم تصل بعد.
فبعض قصص الحب لا تنتهي بالفراق… بل تبدأ بعدها حكاية الانتظار.






المزيد
أمي والوجود: حين يصبح الحب سؤالًا: فلسفيًا عن معنى الحياة
لقلب لا يشبه أحدا سواك
الخنجر المسموم