مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ستعود الأيام، رغم ثقلها بقلم خيرة عبدالكريم 

ستعود الأيام، رغم ثقلها

بقلم خيرة عبدالكريم 

 

تمضي الأيام، لا كما نشتهي دائمًا، بل كما تفرضها الحياة بتقلّباتها ومفاجآتها، بثقلها الذي يرهق الروح، وبصمتها الذي يترك في القلب أسئلة لا تجد طريقها إلى الإجابة.

 

هناك أيام تمرّ علينا وكأنها تختبر قدرتنا على الاحتمال، تثقل خطواتنا، وتضيّق مساحات الأمل في أعيننا، حتى نظنّ أن ما نحن فيه لن ينتهي، وأن الطريق الذي نسلكه قد طال أكثر مما ينبغي. لكننا، رغم كل شيء، نقف على أقدامنا من جديد؛ لا لأننا لم نتعب، بل لأن التعب، مهما اشتدّ، لا ينبغي أن يكون نهاية الحكاية.

 

نمضي، ونحمل في داخلنا ما لا يراه الآخرون، نبتسم أحيانًا كي لا نشرح وجعنا، ونصمت أحيانًا لأن الكلام لا يغيّر شيئًا، ونواصل السير لأن التوقف ليس دائمًا راحة، بل قد يكون استسلامًا لما أرادته لنا الظروف.

 

وفي الطريق، هناك عيون تراقب، وأخرى تنتظر تعثّرنا، وربما من يظنّ أن سقوطنا مسألة وقت، وأن الأيام الثقيلة ستكسر فينا شيئًا لن يعود كما كان. لكنهم لا يعلمون أن الإنسان قد يتعب دون أن ينكسر، وقد يتألم دون أن يفقد إيمانه بنفسه، وقد يتأخر في الوصول دون أن يتخلى عن وجهته.

 

لسنا مطالبين بأن نثبت للآخرين أننا أقوياء، ولا بأن نشرح لهم أسباب صمودنا. يكفينا أن نعرف، في أعماقنا، أننا لم نبع كرامتنا في لحظة ضعف، ولم نسمح لليأس أن ينتزع منا حق المحاولة، ولم نجعل من قسوة الأيام عذرًا لنصبح أشخاصًا لا نشبههم.

 

ستعود الأيام، وإن عادت مثقلة بما لا نحب، سنكون قد تعلّمنا كيف نحمل ثقلها دون أن نحني رؤوسنا.

 

ستعود، وربما تحمل معها اختبارات جديدة، وربما تعيد إلينا بعض الوجوه والذكريات والمواقف، لكننا لن نكون بالضرورة الأشخاص أنفسهم؛ فكل تجربة تترك فينا درسًا، وكل خيبة تعلّمنا شيئًا عن الناس، وكل عثرة تكشف لنا قيمة الوقوف من جديد.

 

لا نريد أن ننتقم من الأيام، ولا أن نعيش أسرى نظرات الآخرين، بل نريد أن نعيش بسلام مع أنفسنا، وأن نمضي بخطوات ثابتة، حتى لو كانت بطيئة، وأن نترك للزمن مهمة كشف ما أخفته النوايا، وللأفعال مهمة الإجابة عن الأسئلة التي عجزت الكلمات عن حسمها.

 

فالحياة لا تتوقف لأن أحدًا تمنّى لنا التعثّر، ولا تتعطّل أحلامنا لأن طريقنا أصبح شاقًا. وما دام فينا نفس، وفي القلب بقية أمل، وفي الروح إصرار على النهوض، فليس كل تأخير خسارة، وليس كل صمت ضعفًا، وليس كل انحناء سقوطًا.

 

سنقف، لا ليرانا من انتظر سقوطنا، بل لأننا نستحق أن نكمل الطريق.

 

وستمرّ الأيام، بكل ما فيها من ثقل وضجيج، وسنبقى نمضي؛ نخفّف عن أرواحنا ما استطعنا، ونحفظ كرامتنا، ونترك خلفنا ما لا يستحق أن نحمله إلى الغد.

 

فليس أعظم انتصار أن نرى أعداءنا يندمون، بل أن نصل إلى يوم لا تعود فيه نظراتهم تعنينا، ولا أحكامهم تربكنا، ولا وجودهم يسرق منّا طمأنينة العيش.

 

عندها فقط، سنفهم أن الوقوف على قدمين ليس مجرد توازن للجسد، بل موقف للحياة، وأن الصمود ليس أن نعبر الأيام بلا وجع، بل أن نعبرها دون أن نفقد أنفسنا.

 

ستعود الأيام، رغم ثقلها… وسنعود نحن أيضًا، أكثر وعيًا، وأشدّ ثباتًا، وأقلّ اكتراثًا بمن ينتظر سقوطنا؛ فبعض المعارك لا تُربح بالصوت العالي، بل بخطوة ثابتة، وقلب لم يستسلم، وحياة تستمرّ رغم كل شيء.