مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الإطار الثالث عشر: بقلمي: عبير إبراهيم

قصة قصيرة

“الإطار الثالث عشر:

بقلمي: عبير إبراهيم

 

يقال إن بعض البيوت لا تسكنها العائلات وحدها… بل تسكنها أسرارها أيضًا، أسرار لا تموت بموت أصحابها ولا يطويها الزمن، بل تنتظر في الظلام شخصًا جديدًا يقترب بما يكفي حتى تبدأ الحكاية من جديد.
استُؤجرت “سلمى” لترميم ثلاث عشرة لوحة زيتية في غرفة الممر الشرقي لقصر عائلة عتيق، تقدمت خلف الرجل الأربعيني الذي جاء ليستقبلها، وهي تلقي بين الحين والآخر نظرة سريعة حولها، كان الممر طويلًا بصورة تبعث على الضيق وسقفه مرتفعًا حتى بدا أنه يبتلع الضوء المتدلي من ثريا قديمة معلقة في منتصفه، كانت الثريا خافتة النور تُصدر حفيفًا كهربائيًا متقطعًا كلما اشتد الهواء في الخارج، فتخفت إضاءتها للحظات ثم تعود وكأن شيئًا ما يتنفس في الظلام.
لم تكن “سلمى” تفهم لماذا يهتم أحد بترميم مثل هذه اللوحات في قصر متهالك كهذا، يبدو من الخارج كصرح اثري عتيق شاهق البناء لكن من ينظر داخله يعلم أن سكانه هجروه منذ عقود.
الأثاث أنيقًا وراقيًا لكنه قديم وباهت يعلوه غبار كثيف تراكم فوقه حتى فقد بريقه، ورائحة الرطوبة عالقة في الجدران والخشب تختلط برائحة المكان المغلق طويلًا.
لم يعجبها المكان ومنذ أن دخلت القصر شعرت أن هناك شيء غريب يضغط على صدرها، شعور مبهم بأنها ليست وحدها رغم أنها لم ترَ شخصًا آخر منذ دخولها، توقفت في نهاية الممر حين توقف الرجل أمام باب خشبي عتيق أخرج مفتاحًا من جيب بنطاله وأدخله في القفل ثم أداره ببطء ودفع الباب برفق.
في اللحظة التي انفتح فيها الباب اندفعت رائحة ألوان الزيت إلى أنفاسها، لكنها لم تكن مجرد رائحة طلاء قديم بل شيئًا أثقل من ذلك خليطًا كتمته الجدران لعقود، رطوبة خشب متآكل وغبار سنين ورائحة زيت خانقة ونكهة معدنية خفيفة تشبه… رائحة الدم الجاف.
عبست “سلمى” دون أن تعرف لماذا ارتجف أنفها من الاشمئزاز رفعت عينيها إلى الداخل، كانت هناك اثنتا عشرة لوحة تصطف بجوار بعضها فوق جدار الغرفة الجانبية للقصر، جميعها بورتريهات لأرباب القصر عبر أجيال متعاقبة، هذا ما أخبرها به الرجل أثناء تعاقده معها.
اقتربت “سلمى” من أول لوحة رأت رجال بملابس شتوية بسيطة وبجوارها لوح أخرى لنساء بفساتين قديمة ونظرات هادئة وشباب لم يبتسم أي منهم، راحت تتفحص الوجوه واحدًا تلو الآخر شيء ما أزعجها، لم يكن هناك شبه واضح يجمعهم ملامحهم مختلفة تمامًا وكذلك أعمارهم، وحتى مكانتهم الاجتماعية بدت متباينة من ملابسهم وهيئتهم لا شيء تقريبًا ينم عن أنهم ينتمون إلى عائلة واحدة.
تقدمت ببطء حتى وصلت إلى نهاية الجدار ثم توقفت استدارت لتطالع الرجل الصامت خلفها، وسألته بهدوء:
_إنهم اثنا عشر فقط… أين اللوحة الثالثة عشرة؟
لم يجب بل اكتفى برفع يده والإشارة بسبابته إلى الجدار بجانبها، استدارت “سلمى” بجسدها العلوي فقط حيث أشار، وهناك توقفت أنفاسها للحظة حين وقعت عينيها على إطار خشبي مذهب ضخم يرتفع عن الأرض بارتفاع بقية اللوحات، لكنه بدأ مختلفًا عنهما كان فارغًا تمامًا وعلى حافته نقش بواضح رقم “١٣”، عادت “سلمى” تنظر إلى الرجل بدهشة وقالت:
_إنه فارغ.
ظل صامتًا فقالت بعد لحظة وقد خمنت السبب:
_هل سأقوم أنا برسمه؟
خيم صمت ثقيل على الغرفة، ثم ارتسمت فوق شفتي الرجل ابتسامة باهتة وباردة لم تصل إلى عينيه، وقال بصوت خافت خالٍ من المشاعر:
_شيء من هذا القبيل… لكنك ستعلمين فيما بعد، فقط ابدئي العمل.
أنهى حديثه وغادر وهو يغلق الباب خلفه دون أن ينتظر ردها، ظلت “سلمى” تحدق في الباب لثوانٍ ثم مطت شفتيها بتعجب، وقالت:
_رجل غريب…
قالتها لنفسها، وهي تهز كتفيها محاولة طرد الشعور المزعج من رأسها، أنزلت حقيبتها عن كتفها ووضعتها فوق الطاولة الخشبية الصغيرة بجوار كرسي قديم، ثم بدأت في إخراج أدواتها وترتيبها بعناية.
بعد دقائق كانت قد بدأت في كشط طبقة الورنيش القديمة عن اللوحة الأولى، مر الوقت وهي منكبة على عملها حتى حل الليل بثقله وانسحبت آخر أصوات العالم من الخارج، ومع هدوء كل شيء… بدأت أصوات القصر الحقيقية في الارتفاع.
كانت تعمل في اللوحة رقم أربعة عندما سمعت صوتًا خافتًا خلفها رفعت رأسها، انتظرت لا شيء عادت لعملها فعاد الصوت مرة أخرى، توقفت يدها فوق اللوحة نظرت حولها بحذر لا شيء ثم جاء الصوت مرة ثالثة، التفتت نحو الطاولة وتجمدت نظراتها فأنابيب الألوان الموضوعة بجانبها قد انسكبت، لكن الغريب لم يكن انسكابها بل ما حدث بعدها.
راحت الألوان تتفاعل وتتداخل فيما بينها ببطء وكأن يدًا غير مرئية تعصرها وتدفعها نحو بعضها، امتزج الأحمر بالأزرق وانساب الأسود داخل الأبيض، ثم بدأت الألوان تتحرك ببطء أولًا… ثم أسرع، لم تكن تسيل عشوائيًا بل تُسحب نحو حافة الطاولة في خطوط دقيقة ومنتظمة، ثم تهبط إلى الأرض كخيوط سائلة قبل أن تتجمع وتتحرك فوق الخشب.
شهقت “سلمى” تراجعت خطوة الألوان تتحرك وحدها تشق طريقها بين الغبار والركام وتتجه مباشرة نحو الجدار، وحين وصلت إليه… بدأت ترتفع، نعم… ترتفع فوق الحائط من يراها يشعر أن خيوطًا غير مرئية تجذبها إلى أعلى.
تتبعت “سلمى” حركتها بعينين متسعتين حتى وصلت إلى الإطار رقم ثلاثة عشر، ثم بدأت الألوان تتسرب إلى داخله، شعرت بقشعريرة عنيفة تجتاح جسدها وقفت عاجزة عن الحركة، وهناك على سطح القماش الأبيض بدأت الألوان تتجمع، أولًا ظهرت بقعة سوداء ثم أخرى حمراء ثم أخذت الخطوط تتشابك وتتمدد حتى بدأت ملامح وجه تتشكل ببطء.
وجه مبهم غير مكتمل لكن شيئًا فيه كان مرعبًا، ثم استدارت واندفعت نحو الباب وفي اللحظة نفسها انطفأت الكهرباء فغرق القصر في ظلام دامس، توقفت في منتصف الممر شهقت بفزع وراحت تتحسس جيب بنطالها بأصابع مرتجفة بحثًا عن هاتفها، حتى وجدته أخيرًا أخرجته بسرعة واشعلت مصباحه، ارتعش شعاع الضوء أمامها ثم رفعت يدها قليلًا، وفي اللحظة التي ارتفع فيها الهاتف رأت شيئًا في نهاية الممر، شيئًا طويلًا منحني الظهر يقف في الظلام، لم يكن وجهه واضحًا رأسه مائلًا إلى أحد الجانبين وشعره الأسود المتشابك يغطي معظم وجهه، بينما ذراعاه طويلتين بصورة غير طبيعية تتدليان حتى ما يقارب ركبتيه، رفع رأسه ببطء فانكشف أمامها وجه شاحب ممدود بلا ملامح واضحة سوى عينين غائرتين سوداويين تمامًا تحدقان فيها دون رمش، واتسع فمه أكثر مما ينبغي حتى بدا فكه على وشك أن ينفصل عن وجهه.
تراجعت “سلمى” خطوة ثم تبيعتها بأخرى، لم تستطع الصراخ فجسدها كله يرتجف وقد تجمدت أطرافها حتى شعرت أنها فقدت القدرة على الحركة، تحرك الشيء نحوها ببطء قاتل يجر قدميه فوق الأرض بصوت خافت، احتكاك بطيء جعل الرعب يزحف إلى داخلها وأخيرًا خرجت الصرخة من حنجرتها.
تراجعت وهي ترفع الهاتف أمامها لكن الضوء اهتز في يدها وانحرف عن وجهه للحظة، وعندما عاد الضوء إلى المكان لم يكن هناك شيء اختفى فالممر ابتلعه، ثم شعرت بشيء يمر خلفها استدارت بسرعة لكن العالم اسود أمام عينيها وسقطت.
استفاقت بعد وقت لم تعرف مقداره فتحت عينيها ببطء لتجد نفسها جالسة فوق الكرسي بجوار الطاولة، شهقت ونهضت بفزع تتفحص المكان بعينين مذعورتين ولكن كل شيء طبيعي، الألوان في مكانها واللوحة الثالثة عشرة… بيضاء تمامًا كما كانت.
حدقت فيها طويلًا ثم وضعت يدها فوق صدرها تربت فوق قلبها الذي يخفف بعنف وتمتمت وهي تبتلع ريقها بصعوبة:
_لابد أنني غفوت فوق الكرسي… وكان مجرد كابوس.
لكنها لم تكن مقتنعة تمامًا بتلك الفكرة فما مرت به بدأ لها حيًا نابضًا، حملت حقيبتها وغادرت القصر مسرعة.
في صباح اليوم التالي عادت بعد أن أقنعت نفسها بأن ما حدث لم يكن سوى وهم صنعه التعب والخوف والمكان، لكنها قررت هذه المرة أن تعمل بأقصى سرعة ممكنة وتنهي المهمة وتغادر ذلك المكان المقبض إلى الأبد.
مر النهار سريعًا عليه وهي تتنقل بين اللوحات تنهيها واحدة تلو الأخرى حتى حل الظلام، ومع حلول الليل بدأت الهمهمات تظهر من جديد أصوات خافتة تأتي من أماكن متفرقة، مرة من نهاية الممر ومرة من خلفها ومرة من داخل الجدران نفسها، حاولت “سلمى” تجاهلها لكن أصابعها لم تعد ثابتة فوق أدواتها، وقلبها ظل يطرق بعنف فوق ضلوعها كل دقيقة تمر تجعلها أكثر توترًا.
وأخيرًا… انتهت تنفست الصعداء مدت يدها لتجمع أدواتها لكن قبل أن تتحرك انسكبت الألوان، رفعت رأسها برعب وتكرر المشهد لكن هذه المرة بسرعة أكبر.
على السطح الأبيض للوحة رقم ثلاثة عشر بدأت الألوان المبعثرة تتجمع من تلقاء نفسها، لم تمسها فرشاة لم تقترب منها يد، ومع ذلك بدأت الصورة تتشكل ظهرت الخلفية أولًا زاوية مظلمة لغرفة ذات أرضية خشبية، ثم جدارًا وطاولة وأخيرًا بدأ الوجه يظهر، تجمدت “سلمى” في مكانه قبضت يدها بقوة من الخوف وشعرت بأن الهواء انحصر داخل رئتيها أخذت تتنفس بصعوبة، ثم انقطعت الكهرباء مرة أخرى غرق المكان في الظلام أخرجت هاتفها بسرعة وشغلت الكشاف، سلطت الضوء على القماش الأبيض وبدأت ملامح الوجه تظهر الشعر الأسود المنسدل النمش الخفيف حول الأنف القميص الكحلي الملطخ ببقع الألوان.
اتسعت عيناه إنها هي لم تكن اللوحة ترسم امرأة تشبهها بل ترسمها هي، وبعد لحظات ظهرت صورتها داخل اللوحة وهي تمسك الهاتف بيدها وعيناها متسعتان من الرعب لكن شيئًا آخر جعل الدم يتجمد في عروقها، عينا صورتها داخل اللوحة لم تكونا تنظران إليها كانتا مثبتتين على شيء خلفها في الزاوية اليمنى من الغرفة، شعرت ببرودة تسري في ظهرها ولم تجرؤ على الالتفات، ثم سمعت صوت احتكاك خشب لم يتوقف تحرك ضوء الهاتف بيد مرتجفة نحو اللوحات الاثنتي عشرة، واتسعت عيناها في رعب.
الشخصيات القديمة… لم تعد تنظر إلى الأمام رؤوسهم قد دارت داخل اللوحات واحدة تلو الأخرى ببطء شديد، حتى أصبحت أعناقهم ملتوية بصورة يستحيل أن تكون بشرية، حدقات عيونهم المرسومة جميعها متجهة إليها ثم تحركت عيونهم في اللحظة نفسها نحو الإطار الثالث عشر.
صرخت “سلمى” وتراجعت بعنف فاصطدمت بالطاولة وسقطت زجاجة المذيب الكيميائي، انسكب السائل فوق ملابسها فشهقت من الألم وشعرت بحرارة حارقة تخترق القماش، لكنها لم تتوقف ركضت نحو الباب بكل قوتها حتى وصلت إليه مدت يدها إلى المقبض، ولكن القفل قد انزلق من الداخل وحده صوته المعدني الحاسم قطع الصمت.
تراجعت “سلمى” للخلف وهي تقول من بين دموعها التي تغرق وجهها:
_افتح… ارجوك افتح.
ثم تقدمت وبدأت تضرب الباب بكلتا يديها، وهي تصرخ باكيه:
_هل من أحد هنا؟! فليفتح أحد الباب.
لكن القصر ظل صامتًا صمتًا ميتًا، ومن خلفها بدأت اللوحة رقم ثلاثة عشر تكمل رسم نفسها، استدارت ببطء تنظر لها رأت بقعة حمراء داكنة تسيل على القماش وبدأت تنتشر ببطء فوق ثوب صورتها.
وفي اللحظة نفسها شهقت “سلمى” وهي تشعر برطوبة دافئة تخترق قماش قميصها في الموضع ذاته تمامًا، وضعت يدها عليه ثم نظرت إلى كفها الذي أصبح ملوثة بالدم، تراجعت وهي تهز رأسها وتقول برفض:
_لا… لا…
بدأت أنفاسها تتقطع تذكرت فجأة العبارة التي رأتها في اليوم الأول منقوشة فوق مدخل الممر، رفعت عينيها نحوها بسرعة رفعت يدها بالهاتف فأصبحت الكلمات واضحة تحت ضوء الهاتف المرتجف وراحت تقرأ بصوت خافت:
_لكي يحيا قصر العائلة الخالدة وتمتد أعمارهم، تحتاج كل عشرة أعوام إلى روح رسام، تُمزج دماؤه بالزيت فيصبح الحارس الجديد للإطار.
اتسعت عيناها وتردد في عقلها الكلمات الرسام… الحارس الجديد… الإطار الثالث عشر.
فهمت لكن الفهم جاء متأخرً، ركضت عائدة إلى الغرفة وراحت تبحث بجنون بين أدواتها عن أي شيء تستعين به، أخرجت سكين الترميم نظرت لها للحظات ثم قبضت عليها بكلتا يديها وقالت وهي تبكي:
_لو دمرتها سينتهي كل شيء.
رفعت السكين واقتربت من اللوحة ثم غرست طرفها الفولاذي نحو القماش تشقه نصفين ويعلو ثغرها ابتسامة انتصار لم يدم لحظات إذ شعرت بألم حاد خاطف يمر عبر عنقها، تجمدت وأنزلت يدها ببطء رأت الدم يتدفق بين أصابعها.
فهمت المصيدة فاللوحة تربطها بها كل ما تحاول فعله باللوحة يحدث لجسدها، لكنها أدركت ذلك بعد فوات الأوان، سقط جسدها فوق الأرض الخشبية وانساب الدم من تحتها ببطء حتى غطى الأرض حولها، في اللحظة نفسها عادت اللوحة لتلتئم من جديد وانسكبت بقية الألوان من فوق الطاولة وامتزجت بالدماء الذي سالت من جسدها، ثم بدأت تتحرك تتجه إلى اللوحة وهي تعرف طريقها، تسربت الألوان والدماء إلى الإطار الثالث عشر وصعدت فوق القماش تكونت التفاصيل الأخيرة.
حتى ظهر وجه “سلمى” بوضوح لكن عينيها داخل اللوحة كانتا مفتوحتين تحدقان في شيء لا يراه أحد، توقف الهواء وانطفأ هاتفها ولم يتبق في القصر سوى ضوء القمر الخافت المتسلل من النافذة العالية ليسقط فوق جسدها الساكن وفوق اللوحة التي اكتملت.
بعد عشرة أعوام…
فُتحت أبواب القصر الأثرية من جديد، دخل رسام شاب يحمل حقيبة أدواته وبرفقته الرجل الأربعيني ذاته لم يتغير شيء، والقصر أيضًا ما زال كما هو عتيقًا من الخارج ومتهالكًا من الداخل، الممر ما زال طويلًا والثريا ما زالت معلقة في مكانها.
قاد الرجل الشاب حتى غرفة اللوحات، ثم أشار إلى الجدار وقالت بنبرات باردة:
_المطلوب منك تنظيف وترميم هذه اللوحات الثلاث عشرة، وتجهيز الإطار رقم أربعة عشر في النهاية.
اقترب الرسام الشاب راح يتفحص اللوحات واحدة تلو الأخرى، حتى وصل إلى الثالثة عشرة توقف أمامها فاللوحة متقنة بصورة مذهلة، فتاة تقف في غرفة مظلمة وتمسك بيدها هاتف يضيء، اقترب أكثر ثم انحنى ليتفحص تفاصيل عينيها، تجمد فهناك شيء غريب شيء لم يستطع تفسيره، للحظة بدا له أن بؤبؤ عين الفتاة المرسومة تحرك مليمترًا واحدًا فقط اتجه نحوه شعر أنها تنظر إليه وتراه.
تراجع الرسام خطوة ثم قبل أن يتمكن من استيعاب ما حدث، ترقرقت قطرة زيت شفافة فوق خد الفتاة المرسوم وانزلقت ببطء تحت طبقة الورنيش كدمعة صامتة محبوسة داخل اللوحة إلى الأبد.
وخلفه وقف الرجل الأربعيني صامتًا، ينظر إلى الإطار الرابع عشر الفارغ، ثم ابتسم.