مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أكتوبر/ حين انتصرت الإرادة: فبدأ طريق البناء‏/ ‏بقلم /سعاد الصادق

أكتوبر/ حين انتصرت الإرادة: فبدأ طريق البناء‏/

مقال 


‏بقلم /سعاد الصادق


‏
‏ليس أكتوبر شهرًا في التقويم المصري، ولا ذكرى عابرة تعود كل عام ثم تنصرف، وإنما هو لحظة فارقة في وجدان أمة أدركت يومها أن الأرض لا تُسترد بالكلمات، وأن الكرامة لا تُمنح، وأن الشعوب حين تمتلك الإرادة تستطيع أن تغيّر ما يبدو مستحيلًا.
‏في السادس من أكتوبر عام 1973، كان العبور أكثر من عبور قناة؛ كان عبورًا من زمن الانكسار إلى زمن استعادة الثقة.
‏كان انتصار العزة والكرامة.
‏وفي ساعات قليلة تغيّرت صورة كثيرة في الوعي المصري والعربي؛ جندي مصري يعبر، وعلم يرتفع، وأرض تستعيد أبناءها، وإرادة ظن البعض أنها انكسرت فإذا بها تعود أقوى وأكثر إصرارًا.
‏لكن الحكاية لم تنتهِ عند نصر المعركة.
‏فالحروب تنتهي، أما بناء الأوطان فلا ينتهي.
‏ومن هنا بدأت مصر تخوض معارك أخرى، أقل صخبًا من صوت المدافع، لكنها لا تقل أهمية: معركة البناء، ومعركة الاقتصاد، ومعركة التعليم، ومعركة الصناعة، ومعركة الزراعة، ومعركة الحفاظ على مكانة الدولة وقدرتها على حماية مصالحها.
‏تعاقبت السنوات، وتغيرت الظروف، ودخلت مصر مراحل مختلفة؛ أعوام من الإصلاح، وأعوام من التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ومحطات سياسية صعبة، ثم جاءت سنوات جديدة حملت معها توجهًا واسعًا نحو مشروعات البنية الأساسية وتوسعة شبكات الطرق والنقل والطاقة والمرافق، إلى جانب مشروعات المدن الجديدة وتطوير مناطق عمرانية وصناعية وزراعية.
‏وهكذا أصبح معنى الانتصار أوسع من لحظة عسكرية.
‏أكتوبر علّمنا أن الإرادة تستطيع أن تبدأ المعركة، لكن الإرادة وحدها لا تكفي؛ فالنصر الحقيقي يحتاج إلى عمل مستمر يحفظ ما تحقق ويبني فوقه.
‏وفي السنوات التي تولى فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة الدولة، اتجهت الدولة المصرية إلى تنفيذ مشروعات واسعة في مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة والعمران، مع التوسع في إنشاء المدن الجديدة، ومشروعات استصلاح الأراضي، وتطوير الموانئ والمناطق الصناعية، إلى جانب مبادرات وبرامج اجتماعية وصحية مختلفة.
‏قد يختلف الناس في تقييم السياسات ونتائجها، وقد تبقى أمام الدولة تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، لكن صورة السنوات الأخيرة لا يمكن فصلها عن حجم المشروعات التي دخلت حيز التنفيذ، وعن محاولة الدولة إعادة ترتيب عدد من القطاعات الحيوية بما يتناسب مع احتياجات دولة يتزايد سكانها وتتغير احتياجاتها.
‏وهنا تلتقي روح أكتوبر مع حاضر مصر.
‏فالجندي الذي حمل سلاحه ليحمي الأرض، والعامل الذي يقف اليوم في موقع البناء، والمهندس الذي يخطط لمشروع، والطبيب الذي يؤدي واجبه، والمعلم الذي يصنع وعي جيل، والباحث الذي يضيف معرفة جديدة، والفلاح الذي يزرع أرضًا، والشاب الذي يتعلم مهنة أو يؤسس مشروعًا؛ جميعهم، كل في موقعه، يشاركون في معركة أخرى عنوانها بناء الإنسان والدولة.
‏ولذلك فإن أكتوبر لا ينبغي أن يبقى صورة معلقة على جدار، ولا أغنية نسمعها في شهر أكتوبر ثم نعود إلى حياتنا.
‏أكتوبر فكرة.
‏فكرة تقول إن المستحيل ليس قدرًا، وإن الوطن الذي يستطيع أن يعبر أصعب اللحظات قادر أيضًا على أن يعبر أزماته حين تتوافر له الإرادة والعمل والعلم والصبر.
‏ومن ضفة القناة التي شهدت عبورًا عسكريًا منذ أكثر من نصف قرن، إلى مشروعات الطرق والمدن والموانئ والطاقة، تمتد أمامنا حكاية طويلة لمصر؛ حكاية دولة تحاول أن تحافظ على أرضها، وتصون قرارها، وتوسع قدرتها على الإنتاج، وتبني لأبنائها مستقبلًا يليق بتاريخها.
‏وربما كان أجمل ما تركه أكتوبر لنا أن النصر ليس نقطة نضع بعدها علامة النهاية، وإنما مسؤولية تبدأ من اليوم التالي.
‏فإذا كان أكتوبر انتصار العزة والكرامة، فإن ما بعد أكتوبر هو امتحان الإرادة والعمل.
‏وكل جيل من أبناء مصر له معركته، وله واجبه، وله طريقه في الحفاظ على الوطن وبنائه.
‏ستظل مصر بحاجة إلى أبنائها جميعًا؛ إلى وعيهم، وعلمهم، وعملهم، مع الوطن، وإلى قدرتهم على النظر إلى المستقبل دون أن ينسوا ثمن الماضي.
‏ومن هنا تبقى ذكرى أكتوبر أكبر من احتفال.
‏إنها تذكير دائم بأن هذه الأرض عبرت من قبل، وأنها قادرة على مواصلة الطريق.
‏مصر وستبقى قلب الأمة العربية، وأرض السلام، وصاحبة تاريخ ممتد جعلها حاضرة في قضايا المنطقة والعالم، وستظل تعمل من أجل مستقبل يليق بأبنائها ومكانتها، ويجعل من قوة الدولة وبناء الإنسان أساسًا لحضورها بين دول العالم.
‏فسلام على رجال أكتوبر، وسلام على كل يد بنت بعدهم، وسلام على مصر…
‏مصر التي إذا قالت إرادتها: نعبر، عبرت.
‏