مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

يوم إلتقائنا_ الحلقة الثانية

كتبت: ندا محمود أبو المجد

 

 

 لم أكن أعلم أنه يوم أودعه هو أخر يوم لي لآراه، وأنني ولم أحظ بتلك الفرصة؛ فقد غلبني النوم ولم ألحق بموعد عودته وعلى الرغم من أني علمت أنه قد آتى وألقى على نظرة أخيرة، ودثرني جيدًا وقام بتقبيلي كالمعتاد، إلا أنني لم أشعر به، ولا أتذكر ذلك أبدًا ولا أعلم حتى السبب.

 

ذهب أبي؛ لتلك الرحلة ومكث هناك أربعة أيام وكان من المفترض أن يعود باليوم الخامس، ولكن انقطعت عنا أخباره فجأة وعلمت أن طائرته ولسبب غير معلوم فُقدت ووجدوا بعضٌ من حطامها في مكان ما وأن الركاب؛ إما قتلى أو مفقودين، وكان أبي من المفقودين ولازال حتى الآن.

 

ظللت لعام كامل انتظره وكلي أمل بأنه سيعود؛ ولكن الغريب أنني لم أرى تلك الرغبة بوجه أحد من حولي سوى عائلتي الصغيرة، في الحقيقة كانت أول صفعة اتلقاها وأنا في مقتبل عمري منهم حين صرحوا علانية بأنه لن يعود؛ بل وبدأوا الدخول في مشاحنات بشأن من منهم سيتولى أعمال أبي أو بالأحرى من الذى سيظفر بأملاكه؟ طوال عام كامل لم يطرق أحد بابنا، بل والأسوأ لم يكونوا جوارنا؛ حتى عند علمنا بالحادثة لخمسة أيام متتالية تركونا دون اتصال، حتى من لم تنقطع اتصالاتهم عنا، من كان أبي يجيد عليهم بحبه، وكرمه، واحترامه؛ وكأن أرواحًا بل شياطين تلبستهم أو ربما، كانوا شياطين من البداية، لم تتحمل أمي الصدمة شعرت بأنها تناضل وحدها، هى صغيرة وكما يقولون “مطمع” وأملاكنا متناثرة وإخوتي لازالوا صغارًا لم يتجاوز أكبرهم العشرة أعوام لا أحد يساندها، ولا تستطيع هي العيش بذلك الأمل القاتل، كانت تذبل كل يوم في غيابنا وعندنا نجتمع تزهر بزيف من جديد؛ أما أنا فتحولت لكتلة من الصمت، ربما بكيت قليلاً عند سماعي للخبر فالبداية وكثيرًا في كل عيد مر بنا وكل يوم انتظر أبي، ثم اتذكر أنه ذهب بلا رجعه؛ ولكن بعدما رأيت من حولنا وقد تركونا، لم أدرى كيف أصبحت بهذا الثبات والتماسك؟ وأنا أعلن أني سأقيم عزاء لوالدى، عزاء بدون جسد بعد العام الثاني من انتظاري، ليس جبروتًا بل أشد أنواع العذاب الذى لا يحكى، أخبرت العائلة و لم أزفر دمعة واحدة، وعندما سُئلت، نظرت بنظرة أصبحت اتقنها ولم أبكي، قلت: دعوا البكاء والعويل للنساء ورجال هذه العائلة المصونة الذين يتأمرون مثل الذئاب على ما اكتسبته أيدى أبي بعد كد وعناء وليالي شاقة؛ لأنهم لن يحصلوا على قرش واحد يُتبع.