مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ولكن صفعها الخذلان

Img 20250206 Wa0037

 

كتبت: ملاك عاطف

عطاء هي شابّةٌ في ربيعها الثاني والعشرين، لها من جمال الرّوح نصيبٌ يحاكي الجمال اليوسفيّ الّذي غيّب النّسوة عن واقعهنّ، فقطّعن أيديهنّ طوعًا واستجابةً لذوبان إعجابهنّ في نور خلقته المنساب كعذوبة الماء الرّقراق في أعينهنّ، ولها من طَهور الرّوح ما لا تسع لغةٌ لوصفه، وتتحلّى بقدرٍ وافرٍ من الوفاء، لو حظيت به لظننت أنّها قد اختلسته كلّه من خزنة مكارم الأخلاق. تجيد كتابة النّثر بصورٍ بهيّةٍ كما يجيد البدر تجسيد كينونته في أرقى صور النّورانيّة المقمرة على مدار أيّام الشّهر، وتبدع بنشر دفء حنجرتها على القلوب الباردة الّتي أجبرها غياب البصر على الانزواء تحت لحاف الكتب الصّوتيّة؛ فتقرؤها عليهم بلا مللٍ كأنّها عصفورةٌ عزمت على التّرنيم الدّائم، وأقسمت على عزف موسيقىى تغاريدها بلا انقطاع. كان جمال روحها يرقى دائمًا رفقة نبل عونها إلى ما وراء المرايا، حيث الأحاسيس الصّادقة الّتي يتأنّق عليها هندام إخلاصها مرتّبًا مشرقًا صافيًا بشوشًا كوجه عروسٍ ليلةَ زفافها. 

قبل قرابة عامين، تخرّجت عطاء من جامعتها بتقديرٍ أرضاها وزرع فيها رغبةً في السّعي لا تنضب؛ فودّعت الأماكن والذّكريات في الجامعة على عجلٍ؛ كي لا يفوتها قطار العمل الدّؤوب، وصلت محطّة البذل في الوقت المحدّد، وحين رأت سكّة الصّبر الطّويلة أيقنت في داخلها أنّها على أتمّ الاستعداد للانضمام إلى الرّكب، رفعت قدم حماسها عن الأرض قليلًا، وهمّت بخطوتها الأولى، غير أنّ صافرةً مبحوحةً قذفت في قلبها وقلب بلادها صدمة حربٍ مدوّية كادت أن تقتلها خيبةً، بل وأوشكت على دفنها في مقابر الخذلان! عادت أدراجها إلى المنزل، وتكوّرت على نفسها في سريرها محتضنةً هرّتها الكستنائيّة، وأخذت تحكي لها بصوتٍ يشوبه القهر، وعباراتٍ تباغتها الدّموع عن مستقبلها الّذي بات يلوّح للضياع تارة، ويسلّم على الضّبابيّة تارةً أخرى. بعد فترةٍ وجيزةٍ استعادت قواها، وأشعلت فتيل الأمل من جديد؛ لتعقد ميثاقًا وعهدًا جديدًا مع التّطوّع، اندفعت إليه بفرحٍ غامرٍ وبكلّ طاقتها، كطفلةٍ تركض إلى أرجوحةٍ، أو تهرع إلى لعبةِ باربي جديدةٍ أهداها إيّاها أحدهم للتو. ظلّت تقدّم، وتدعم، وتعطف، وتكتب، وتقرأ، وتلبّي هذا، وتغيث ذاك، حتّى أشعلت أصابع لطفها العشرة وأحرقت شغفها. في لحظات الألم الأولى، تأوّهت بالخفية، وكتمت صرختها في صدرها داملةً إيّاها بصمتٍ وتغاضٍ، ثمّ جرّها الوجع إلى الانهيار؛ فسحبت يدها، واستدارت، ووزّعت زهور عبق أثرها على كلّ من يعرفها قبل أن ترحل، ثمّ غابت في دهليز عتابٍ طويل، أرضه مفروشةٌ بدهشةٍ مريرة، وسقفه مقوّس بأقبح أشكال قلّة التّقدير! 

البعض لحق بها واعتذر متذرّعًا بالتّعب والحرب، والبعض الآخر لم ينبس ببنت شفة، كأنّ وجودها وعدمه سيّان. هل يعقل أن تدفع ضريبة رقّتها كلّ هذا الوجع؟ هل كانت تستحقّ كلّ هذا بعد هذا الجبل العظيم من التّضحيات؟ وكيف تجد خلاصها من عتمة غياب من كانوا أصدقاءها؟ 

كلّ المواساة لم تعرف إلى سكونها وسكينتها طريقًا، لكنّها تؤمن في قرارة نفسها بهذه المقولة، “هم على ظنونهم يؤثمون وأنت على طهارة قلبك ترزق، فلا تبالي”