مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

صحتكِ النفسية بين يديكِ

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري (خبير نفسي)

في خضم تسارع الحياة وتعقيداتها، بات الإنسان يواجه ضغوطاً لم يألفها من قبل؛ ضغوط العمل، تحديات العلاقات، تلاطم الأخبار، وسباق المقارنات اليومي. ونتيجة لذلك، صارت الصحة النفسية هي الحصن الأخير الذي يلوذ به المرء ليحافظ على اتزانه.

إن إهمال الجانب النفسي لا يقل خطورة عن إهمال الجسد؛ فالعقل المرهق لا يبدع، والروح المتعبة لا تحتمل، والقلب المثقل لا يحب. لذلك، فإن العناية بالنفس لم تعد اختياراً، بل واجباً على كل فرد يسعى لحياة كريمة ومستقرة. وما يميز هذا الجانب أن علاجه لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى وعي ويقظة وقرارات بسيطة نبدأ بها من اليوم.

لم تعد الصحة النفسية ترفاً فكرياً أو مسألة ثانوية، بل أصبحت ركيزة أساسية من ركائز الحياة. فكلما اشتدت على الفرد الضغوط النفسية، وتفاقمت تحديات المحيط الذي يعيش فيه، ازدادت الحاجة إلى أن نولي أرواحنا وعقولنا عناية حقيقية يغفل عنها الكثيرون. والحقيقة التي لا مفر منها أن مفاتيح التوازن النفسي ليست بعيدة المنال، بل هي بين يديكِ أنتِ أولاً وأخيراً.

أولاً: الاعتراف بالمشاعر بوابة التعافي

إن أول خطوات العناية بالنفس هي المصارحة الصادقة مع الذات. فكثيراً ما يلجأ الإنسان إلى المكابرة، ويردد عبارة “أنا بخير” بينما يعصف به القلق وتثقل كاهله الهموم. والحقيقة أن المشاعر السلبية كالحزن والغضب والخوف ليست ضعفاً ولا عيباً، بل هي جزء أصيل من التكوين الإنساني.

إن كبت المشاعر وتجاهلها لا يمحوها، بل يدفعها إلى اللاوعي حيث تتراكم وتتحول إلى ضغط نفسي ينفجر في مواقف لا تحتمل. أما الاعتراف بها، وتدوينها، أو البوح بها لشخص موثوق، فهو بمثابة تفريغ للشحنة السلبية وخطوة أولى نحو العلاج؛ فمن لا يعترف بمرضه، لن يبحث له عن دواء.

ثانياً: وضع الحدود حماية للنفس

من أبرز دعائم الصحة النفسية أن يتعلم الإنسان قول “لا” في الوقت المناسب وللشخص المناسب. فالنفس البشرية ليست ملكاً مشاعاً لكل من أراد أن يستنزف طاقتها أو ينتهك خصوصيتها. إن الحدود النفسية تشبه السور الذي يحمي البيت من العواصف؛ فهي تحفظ للمرء كرامته ووقته وطاقته.

وقد أرست الشريعة الغراء قاعدة عظيمة هي: “لا ضرر ولا ضرار”، وهي قاعدة تصلح أن تكون دستوراً للتعامل مع النفس قبل الآخرين. فمن حقكِ أن ترفضي العلاقات المستنزِفة، والأعباء التي تفوق طاقتكِ، والمواقف التي تسلبكِ راحة بالكِ.

ثالثاً: روتين يومي بسيط يصنع الفارق

لا يحتاج استقراركِ النفسي إلى ثورة تغير مجرى حياتكِ، بل إلى عادات صغيرة يتراكم أثرها الإيجابي مع الأيام. ويكفي الالتزام بثلاث عادات يومية للحفاظ على الاتزان:

1. نوم كافٍ ومنتظم: فقلة النوم تؤثر مباشرة على كيمياء المخ، المزاج، والقدرة على التركيز واتخاذ القرار.

2. الحركة الجسدية (ولو لـ 10 دقائق): المشي أو التمارين الخفيفة تحفز إفراز هرمون “الإندورفين” (Endorphins) المعروف بهرمون السعادة، وهو مضاد طبيعي للاكتئاب.

3. لحظة الامتنان الواعي: تخصيص دقيقة قبل النوم لتذكر ثلاثة أشياء إيجابية حدثت في يومكِ مهما بدت بسيطة؛ فتدريب العقل على رؤية النعم يقلل من سيطرة الأفكار السلبية.

رابعاً: تقليل التعرض للمؤثرات السلبية

إن ما تراه العين وتسمعه الأذن يغذي العقل الباطن ويشكل المزاج العام؛ لذا فإن تقليل التعرض للأخبار المزعجة، والابتعاد عن الأشخاص دائمي الشكوى والسلبية، وتنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، يعد نوعاً من “الحمية النفسية” الصارمة؛ فسلامة المدخلات شرط أساسي لسلامة المخرجات.

خامساً: طلب المساعدة علامة قوة لا ضعف

إذا استمرت مشاعر الإحباط أو القلق أو الحزن لأسابيع متواصلة، وتأثر نومكِ، شهيتكِ، وتركيزكِ، فاعلمي أن الوقت قد حان لطلب المساعدة المهنية. إن زيارة الأخصائي النفسي لا تعني وصمة أو “مرضاً”، بل تعني أنكِ إنسانة واعية تدرك قيمة صحتها وتسعى للتعافي بالطريقة العلمية الصحيحة.

وكما نستشير الطبيب لعلاج الجسد، فعلينا أن نستشير المختص لعلاج الروح، مصداقاً لقوله تعالى: ⁠{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}⁠.

خاتمة:

إن صحتكِ النفسية أمانة عظيمة استودعها الله لديكِ؛ فأحسني رعايتها، وارحمي ضعفها، وامنحيها حقها من الاهتمام. ابدئي اليوم بخطوة صغيرة، وستدركين غداً أن راحة البال لا تُشترى، بل تُصنع بقرارات واعية ومتكررة. فاختاري نفسكِ، لأنكِ تستحقين أن تعيشي مطمئنة، ساكنة الفؤاد، وقريرة العين.