الأطفال الذين وُلدوا متصلين
الكاتب هانى الميهى
الفصل الحادى عشر
السر
نحن لا نربّى الأطفال على استخدام التكنولوجيا فقط؛ نحن نربّى جيلًا جديدًا على تصور مختلف للحياة نفسها.
كان الطفل قديمًا يسأل أمه عن العالم.
لماذا السماء زرقاء؟
من أين يأتى المطر؟
لماذا ينام الناس؟
وكان السؤال يفتح سؤالًا آخر، ثم يترك الطفل حائرًا قليلًا، حتى يذهب بخياله إلى مكان لا يعرفه الكبار.
أما الطفل اليوم، فقد تغيّر المشهد.
السؤال لم يعد يحتاج إلى انتظار.
والإجابة لا تحتاج إلى معلم.
يكفى أن تمتد يد صغيرة إلى شاشة، فتأتيها الإجابة قبل أن يكتمل السؤال.
يبدو الأمر رائعًا.
وهو كذلك.
لكن كل تقدم يحمل معه سؤالًا لا يظهر فى البداية:
ماذا نخسر حين نحصل على الإجابة بسرعة شديدة؟
الطفل الذى لم يعرف الانتظار…
كيف سيتعلم الصبر؟
والطفل الذى لم يعرف الملل…
كيف سيكتشف الخيال؟
والطفل الذى يستطيع الوصول إلى آلاف الصور فى لحظة…
كيف سيتعلم أن يصنع صورة واحدة داخل رأسه؟
هذه ليست دعوة إلى إعادة الزمن إلى الوراء.
فذلك مستحيل.
ولا ينبغى أصلًا أن نفعله.
العالم تغير.
والطفل الذى يعيش اليوم يحتاج إلى مهارات لم يحتج إليها طفل الأمس.
لكن المشكلة ليست فى أن الطفل يعرف التكنولوجيا.
المشكلة أن التكنولوجيا قد تصبح، دون أن ننتبه، المكان الذى يعيش فيه الطفل بدلًا من أن تكون أداة يستخدمها.
هناك طفل يستطيع أن يفتح لعبة فى ثوانٍ…
لكنه لا يعرف كيف يقضى ساعة واحدة دونها.
وهناك طفل يعرف أسماء شخصيات لم يقابلها قط…
ولا يعرف كيف يبدأ حديثًا مع طفل يجلس بجواره.
وهناك طفل يستطيع أن يشاهد العالم كله…
لكنه لم يعد يعرف متعة اكتشاف حديقته الصغيرة.
هنا يجب أن نتوقف.
ليس خوفًا من المستقبل…
بل احترامًا للإنسان الذى نريد أن يصنعه المستقبل.
الطفولة تحتاج إلى الفوضى.
إلى اللعب الذى لا هدف له.
إلى السؤال الذى لا إجابة فورية عنه.
إلى الورقة التى تُرسم عليها شجرة لا تشبه الأشجار.
إلى لعبة تتعطل، فيحاول الطفل إصلاحها.
إلى خلاف صغير مع صديق، يتعلم منه كيف يعتذر.
هذه التفاصيل تبدو بسيطة.
لكنها كانت تبنى شيئًا عظيمًا:
الشخصية.
التكنولوجيا تستطيع أن تمنح الطفل معلومة.
لكنها لا تستطيع أن تمنحه التجربة كاملة.
يمكنها أن تعرض له صورة البحر…
لكنها لا تستطيع أن تضع الرمل بين أصابعه.
يمكنها أن تريه المطر…
لكنها لا تستطيع أن تجعله يعرف رائحته.
يمكنها أن تخبره كيف يشعر شخص حزين…
لكنها لا تستطيع أن تعلمه وحدها كيف يجلس إلى جوار إنسان حزين دون أن يهرب.
هناك أشياء لا تُنقل بالبيانات.
أشياء تحتاج إلى حياة.
وأخشى أن أخطر ما قد يحدث ليس أن يصبح الأطفال أكثر تعلقًا بالشاشات…
بل أن يصبحوا أقل قدرة على احتمال العالم حين لا يكون العالم مصممًا وفق رغباتهم.
فالواقع لا يضغط زرًا ليعطيك ما تريد.
الإنسان الآخر لا يستجيب فورًا.
النجاح يحتاج وقتًا.
والفشل لا يمكن حذفه بضغطة.
والعلاقات لا تملك زر “تحديث”.
والحياة نفسها لا تعمل بنظام الإشعارات.
ربما لهذا يحتاج أطفالنا إلى أن يتعلموا شيئًا لم ننتبه إلى أهميته:
كيف يعيشون خارج الشاشة.
أن يعرف الطفل كيف يصادق.
كيف يختلف.
كيف يخسر.
كيف ينتظر.
كيف يمل.
كيف يصمت.
كيف يخطئ دون أن ينهار.
وكيف يجد شيئًا يفعله حين لا يجد شيئًا يفعله.
هذه ليست مهارات قديمة.
هذه مهارات إنسانية.
لن يكون من العدل أن نطلب من جيل جديد أن يعيش كما عشنا نحن.
لكن سيكون من الخطأ أيضًا أن نسلمه بالكامل إلى عالم لم نصمم له حدودًا.
المطلوب ليس أن نمنع الطفل من الاتصال…
بل أن نعلمه ألا يفقد نفسه داخله.
أن يعرف أن الشاشة نافذة…
وليست وطنًا.
وأن العالم الحقيقى، بكل ما فيه من بطء وفوضى ودهشة وألم، ما زال يستحق أن يُعاش.
قد يكون أطفال اليوم أول جيل يتعلم كيف يتواصل مع العالم قبل أن يتعلم كيف يجلس مع نفسه.
وهنا تقع مسؤوليتنا.
ليس أن نخاف منهم.
ولا أن نخاف عليهم من كل جديد.
بل أن نمنحهم شيئًا لا تستطيع أى تقنية أن تمنحه:
جذورًا إنسانية قوية، يستطيعون بها دخول المستقبل دون أن يضيعوا فيه.
رسالة الفصل
لا نحتاج إلى أطفال يكرهون التكنولوجيا، بل إلى أطفال يعرفون كيف يستخدمونها دون أن تسمح لهم بأن تنوب عن الحياة.
تمهيد الفصل الثانى عشر
وحين تصبح أجهزتنا قادرة على تذكر الصور والرسائل والأسماء والمواعيد وكل تفاصيل حياتنا، يبرز سؤال آخر أكثر غرابة: ماذا يحدث لذاكرتنا حين نتوقف عن الحاجة إلى التذكر؟






المزيد
لغة المطر بقلم الكاتبة بثينة الصادق أحمد (عاصي)
ملاذ الروح….و جنون العشق بقلم آلاء حجازي
سوف تكون بخير بقلم سها مراد