وجع مرئى
:بقلم :سعاد الصادق
(قصة قصيرة)
في لحظاتٍ غامضة من حياتنا، قد تأتي كلمةٌ عابرة من غريب، فتفعل فينا ما عجز عنه المقرّبون… كأنها تُوقظ شيئًا كان يختنق بصمت.
كانت في تلك الفترة مريضةً نفسيًا وجسديًا؛ فبعد وفاة أبيها، الذي كان كل شيءٍ في حياتها، وجدت نفسها وحيدة في مواجهة أيامٍ ثقيلة. وقد مرّت بمرحلةٍ قاسية تركت أثرها العميق في روحها وجسدها، حتى باتت ترى العالم من حولها ضبابًا كثيفًا، كسحابةٍ سوداء لا تنقشع، وأصبحت تعاني صداعًا حادًا كاد يفتك باتزانها.
تنقّلت بين الأطباء بحثًا عن راحةٍ غائبة، وفي أحد الأيام، وبعد أن أنهت فحوصاتها، خرجت بوجهٍ شاحب وخطواتٍ مثقلة، يكسوها حزنٌ صامت.
اتجهت إلى محل عطارة لشراء بعض الأعشاب. كان المكان فسيحًا، أنيقًا، منظمًا بعناية، تعجّ أرففه بمختلف الأصناف، ويزدحم بالزبائن. قرب المدخل جلس رجلٌ خلف مكتبٍ وأمامه جهاز حاسوب. حيّته وسألته عمّا تريد، فأشار لها إلى أحد العاملين.
تقدّمت نحو شابٍ لم يتجاوز العشرين من عمره. سألته بهدوء إن كانت الأعشاب التي تبحث عنها متوفرة، فأومأ برأسه، فطلبت منه أن يُحضرها. انصرف يُلبي طلبات من حوله، بينما وقفت تنتظر، تتأمل المكان في صمت، وقد راق لها نظامه وهدوءه وسط الزحام.
وحين بدأ يُجهّز لها طلبها ويُغلّف الأعشاب، ألقى عليها نظرةً خاطفة، ثم قال بصوتٍ هادئ: «لماذا كل هذا الحزن؟»
كانت في تلك اللحظة تُخرج النقود من حقيبتها، فتوقفت، ورفعت رأسها بدهشة، ونظرت حولها… لعلّه لا يقصدها. لكنه تابع بنبرةٍ أكثر لطفًا: «نعم، أنتِ… لماذا تسكن هذه السحابة وجهك؟ الحياة لا تستحق كل هذا الأسى… إنها قصيرة، فلنَعِشها كما هى بحلوها ومرها .»
ابتسمت في حيرة، وقالت بصوتٍ خافت: «حزينة من نفسي.»
ابتسم متعجبًا: «وهل يُعقل هذا؟»
أجابت وهي تُشيح بعينيها: «لأنها أتعبتني.»
أتمّ تغليف الأعشاب، ثم قال للمحاسب: «مئتا جنيه»، وناولها الكيس، مضيفًا بصوتٍ مفعمٍ بالدفء: «ألف سلامة عليكِ… انتبهي لنفسك، لا شيء يستحق الحزن. عيشي لحظاتك الجميلة، واستمتعي بالحياة.»
ثم التقط عودًا من البخور، وقدّمه لها بابتسامةٍ هادئة: «تصحبك السلامة يا سيدتى.»
أومأت له شاكرة، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ حزينة، ثم انصرفت.
كانت الدموع تتجمّع في عينيها، تكاد تنهمر، لكنها تماسكت. وحين ابتعدت قليلًا، وقفت إلى جانب الرصيف، بين شجرتين، وأطلقت لأنفاسها العنان… ثم انفجرت بالبكاء، وانهالت دموعها على وجنتيها كالسيل.
نعم ابكتها كلماته الرقيقة. ثم
راحت تُحدّث نفسها في دهشةٍ موجعة: كيف لذلك الشاب، الذي لم يرني سوى دقائق، أن يراني بهذا الوضوح؟ كيف لمس جرحي بكلمة، بينما أولئك الذين يحيطون بي ليلًا ونهارًا، لم ينتبهوا يومًا لوجعي؟
هؤلاء الذين أغدقت عليهم حبّي، ولم أبخل عليهم يومًا برعايةٍ أو اهتمام… كانوا قريبين في المسافة، لكنهم أبعد ما يكونون في الشعور. تجمعنا صلة، لكن لا يجمعنا دفء، وتربطنا قرابة، لكن بلا وصال.
فكيف استطاع غريب، وسط هذا الزحام، أن يرى ما عجز عنه الجميع؟ كيف لم تمنعه مشاغله ولا كثرة الوجوه من حوله أن يربّت على قلبي بكلمةٍ صادقة؟
نعم… قد لا نحتاج دائمًا إلى من يطيل البقاء معنا، بقدر ما نحتاج إلى من يرانا من الداخل. أن يرانا حقا….؟!






المزيد
قصر البارون
غريب عبر النجوم
سر الغرفة المغلقة