مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نور البداهة: عن إبصار المعجزات المتخفية في ثوب “العادي”

بقلم: داليا فرج الطواب

نحن نقضي شطراً كبيراً من أعمارنا في حدادٍ صامت على ما فاتنا، وفي قلقٍ مستعر تجاه ما ينتظرنا، وبين هذا وذاك تضيع منا روعة “الآن” بكل ما تحمله من هبات. إن أكبر مأساة يواجهها الوعي البشري ليست الفقد، بل هي “إلف النعمة”؛ ذلك العَمى البصري الذي يجعلنا نمر بمعجزاتنا اليومية وكأنها بديهيات لا تستحق الالتفات.

فخ البديهيات

نحن نعتبر استيقاظنا بكامل حواسنا، وهدوء بيوتنا، وانسياب أنفاسنا دون ألم، مجرد تفاصيل روتينية، بينما هي في الحقيقة “منحٌ استثنائية” تُحرم منها ملايين الأنفس في هذه اللحظة. الاستشعار الحقيقي ليس عملية حسابية نجمع فيها ما نملك، بل هو “حالة حضور” تجعل القلب يرتجف أمام جمال الأشياء البسيطة التي اعتدنا وجودها حتى ظننا أنها حقٌ مكتسب.

الاستشعار.. ذواقة الروح

الفرق بين “تعداد النعم” و”استشعارها” هو الفرق بين من يقرأ وصفة الطعام وبين من يتذوقه؛ فالاستشعار يتطلب منا:

• إبطاء الإيقاع: التوقف عن الركض خلف “التالي” لنتأمل “المتاح”.

• أنسنة التفاصيل: أن تنظر لكوب قهوتك كلحظة سكينة، ولملمس يد صغيرك كرسالة أمان كونية.

• إدراك الأمان: أن تفهم أن مرور يومك دون “خبرٍ فاجع” هو قمة النجاح الإنساني.

هذا النوع من الإبصار يحول الروح من الاحتياج الدائم والمقارنة المنهكة إلى “الامتلاء الذاتي”؛ حيث نكتشف أن الكنوز منثورة في تفاصيل الرحلة، لا في نهايات الطرق.

“عاديُّنا” هو “حلم” الآخرين

عندما نفتح أعين قلوبنا على نور البداهة، نكتشف الحقيقة المذهلة:

• البيت الهادئ الذي قد نراه مملاً، هو أمل المشرد.

• الصحة التي لا نشعر بوجودها، هي أقصى أمنيات المريض.

• الروتين اليومي الذي نتذمر منه، هو الحصن الذي يقينا من فوضى الشتات.

الترجمة الروحية للامتنان

الاستشعار هو “الترجمة الروحية” للامتنان؛ فهو لا يحتاج إلى لسانٍ ناطق بقدر ما يحتاج إلى قلبٍ “مبصر”. هذا الامتنان الحسي هو الذي يمنحنا “السيادة” على ذواتنا، فلا نعود رهائن لما ينقصنا، بل نصبح أسياداً لما نملكه.

إن أعظم نعمة قد يُرزق بها المرء هي “القدرة على رؤية النعمة وهي لا تزال في يده”. فالذكاء الروحي يكمن في ألا ننتظر رحيل النعم لكي نعرف قيمتها. فليكن سعينا ليس فقط لتحصيل المزيد، بل لتعميق قدرتنا على “تذوق الموجود”؛ فالحياة لا تُقاس بطول السنين، بل بعمق الشعور بكل لحظة ندرك فيها أنها معجزة كاملة الأركان.