رحلةُ الأدبِ والكِتابةِ
الكاتب اليمني: محمد طاهر سيار الخميسي
حياتِي معَ الكِتَابةِ، حيَاةُ كتَاباتِي التِي تلامَسُ خَواطِر القُرَّاءِ، وتَلامَسُ قُلُوبهُم، وتجعلُهُم يعِيشُون لحظاتِ التَّأمُّلِ والتَّفكِيرِ العَمِيقِ، بِشكلٍ مُذهِلٍ ومُثِيرٍ.
كما تعلمُونَ أَنَّنِي كاتِبٌ يكشفُ عن نفسِهِ من خلَالِ كلِمَاتِهِ، ويَعلمُ النَّاسُ عن أمرِي بعدمَا تصدَّرت كلمَاتِي المَجلَّاتِ الأدبِيَّة وذاعَ صِيتِي فِي الكِتَابَةِ، من بعدِما نَمَت مَلكةُ الفصَاحةِ والبَلاغةِ داخِلِي، ها أنا أصبَحتُ بِكُلِّ تحَدٍّ أَكتُبُ مَا تحتَارُ نُطقَهُ لسَانِي، وتحَرَّرتُ من ظُلمَةِ الجَهلِ إِلى نُورِ العِلمِ البَرَّاقِ.
وأرتقِى أسمي مرتقًى صعبًا حيثُ لا ينالُهُ مني منازِعٍ، لا يصِلُ إِليهِ إِلَّا من كان مُجتهِدًا حاذِقًا يَملِكُ طمُوحًا فُولاذِيًّا لا يُحَدُّهُ شيءٌ، ويملِكُ رُوحًا مُتقدَّةً، وقلبًا ينبضُ بالحياةِ والشَّغفِ والحَماسِ.
وما بلغتُ مرتبَة الكِتَابَةِ إِلَّا بَعْدَمَا تَأَمَّلتُ فِي الألفَاظِ كمَا يجِبُ، أن أنظُر إِليهَا بِعينِ الحَاذِقِ الفهمِ لا بِعينِ الجَاهِلِ، لأنَّ الجَاهِل لا يفطِنُ الكِتابَة لأنَّهُ لا يعلمُ شَيئًا، ولم يقرأ شيئًا حتَّى تستعِينَ حافِظتُهُ وعقلُهُ بِالتَّفكِيرِ كالمُفكرِ الحَكِيمِ.
أَعْتَرِفُ لكُم بأَنَّنِي شخصِيَّةٌ مُعقَّدةٌ ومُتغيِّرةٌ، مُروَّاغٌ مُتخلِّجٌ، أُقدِّمُ لكُم نَصَائِحَ اليَومِ وعِبَر ومَواعِظَ، بِمَا قد أُختَلفُ عنهَا غَدًا. وإِنِّي لم أرَ سَعادةً إِلَّا وأَرَى في سَاعَةٍ ما لا ترونَ في أُخرَى، مِن حُزنٍ وألمٍ ووحشةٍ وضِيقٍ مِن العُزلَةِ المُقِيتَةِ وَالمُؤلِمَةِ. لا أسلُو إِلَّا حِينَمَا أكتُبُ إِلَيكُم بَيَانًا صَادِرًا مِن القَلبِ، وحِينَ أُصاحِبُ مَعِي كِتَابًا وكُوبًا مِنْ الْقَهْوَةِ السَّاخِنةِ اللَّذِيذةِ.
“أضحَكُ مرَّةً وأبكِي مِرَارًا، أستَبكِي ولا أبكِي مُتجَلِّدًا مُتصبِّرًا بِمَا أنا شَاكٍ مِنهُ كي لا أنالَ بِذلِكَ حَسَدًا حتَّى على حُزنِي، وللَّهِ الحَمدُ على سعادَتِي وحسنِ حالِي المُبَاركِ والمُستَدَامِ.
وأستَرحِمُ بِكُم ولا أرحمُكُم إذا جهلتم ما أقُولُ وما أكتُبُ. أُحرِّكُ نُفوسَكُم وأنَا واقِفٌ في مكانِي كجَبَلٍ ثابِتٍ على الأرضِ، أُثِيرُ فِيكُمُ الجدل وأنَا واقِفٌ فتَسخَطُون بِي وتحتَارُون في مصادِرِ أفكَارِي الكامِنةِ، من أين أستَوحِيهَا، تُختَرِعُونَ الأباطِيل والأَقاوِيلَ عَنِّي ولكِنَّكُم تبُؤُونَ بِالفَشَلِ والخَيبَةِ وتعُودوا بِخَفِّ حُنَينٍ.
ولكِنَّ ماذَا لو تعلمُونَ بِأَنَّ القِرَاءَة هِيَ من تمُدُّنِي بِمُفردَاتٍ دُونَ أن أطرُقهَا، بل هيَ الَّتِي تطرُقُنِي، حينمَا أكتُبُ، تَنزِلُ مُتدفِّقةً سيَّالَةً كمُتَحدِّثٍ لِسَانُهُ فَصِيحٌ، كلِمَاتُهُ تسبِقُ طلقاتِ رصَاصِ مسدسٍ.
ثُمَّ تَحْمِلُونَ أمرِي إلى شَرِّ حالِي، ثُمَّ ينقَطِعُ ما بينِي وبينَكُم إلى الأبدِ. بيَاناتِي الصَّادِرَةُ تتحَدَّثُ دائِمًا عن حركاتِ الطَّبِيعةِ، لأَنَّنِي أُحبُّ الجَوَّ البارِد كمَا أُعشِّقُ تِلكَ المَنَاظِر الطَّبِيعِيَّة من أودِيَةٍ وأنهَارٍ وسُيُولِ الأمطَارِ والغُيُولِ والأشجَارِ والأزهَارِ، والحَدِيث مع الأَطفَالِ والاستِماع إِلى قصَصِ الكِبَارِ، كمَا أنَّنِي أُحِبُّ الشُّعرَاءَ والأُدباءَ والقُرَّاءَ وأصحابَ الذَّوقِ الرَّفِيعِ فِي الفِكرِ وَالْعِلْمِ لافِي المَالِ والجَاهِ والسُّلطَانِ، وأكرَهُ أبنَاءَ السِّيَاسَةِ وأبناءَ اللَّيلِ، والجُهَلَاءَ وضِعافَ النُّفُوسِ.
ها أنا أشرَقتُ أدِيبًا مِثل مصبَاحٍ في زُجاجَةٍ، كلِمَاتِي تتدَفَّقُ كينبُوعٍ ثرثارٍ من داخِلِي، أو كشِلالٍ عَذبٍ يروِي العَطشى فِي صحارِي التِيهِ. هذا كلهُ بِفضلِ اللَّهِ الذِي وهبَنِي موهِبَةً عظِيمَةً لايملِكُها غيرِي من عامَّةِ النَّاسِ، حتَّى أصبحتُ من الخاصَّةِ.
أصبَحتُ مَهوُوسًا ومجنُونًا بالكِتَابةِ، العِشقُ الأول بدايَةُ الافتِتَانِ باللُّغةِ العربيَّةِ، التِي لولاها لمَا كانَ للمعنى قِيمةٌ أو معنًى يفِي بالغرضِ. قلمِي يُشبِهُ نحلةً تقطُرُ عسَلًا على الشَّمعِ لا حِبْرًا عَلَى الْوَرَقِ.






المزيد
في مَهبِّ الكبرياء بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
أنتِ مرآةٌ لنفسكِ بقلم هبة الله حمدى عبدالله
الأمل الجديد ! بقلم سها مراد