مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في مَهبِّ الكبرياء بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي

في مَهبِّ الكبرياء

الكاتب : فلاح كريم العراقي

 

يا من ظننتَ أن الريحَ خُلِقَت لتدفعكَ نحو العلو،

وأن السماءَ تفتحُ أبوابَها لكل من تجرّأ على لمسها،

أما علمتَ أن للارتفاعِ ثمنًا

وأن كل جناحٍ يُثقلُهُ الغرورُ… يسقطُ قبل أن يبلغ الحلم؟

 

كنتَ تمشي مزهوًّا كأن الأرضَ خُلِقَت تحت خطاك،

تُشيّد من نظراتك أبراجًا من وهم،

وتنسى أن القلوب التي عبرتَها

كانت جسورًا من نورٍ لا تُعاد إذا انكسرت.

 

لقد تركتَ خلفك دفءَ البساطة،

وأوقدتَ نارَ تعاليك في حقولِ الودّ،

فاحترقَ الزهرُ الذي كان يبتسمُ لك،

وانطفأتْ مصابيحُ كانت تُنير دربكَ حين يضيق.

 

أما أنا…

فكنتُ أزرعكَ في صدري صلاةً لا تنتهي،

وأحيكُ لك من صبري معطفًا يقيكَ بردَ الأيام،

كنتُ أؤمن أن القربَ رحمة،

وأن القلوب إذا صدقت… لا تخون.

 

لكنّك اخترتَ أن تُحلّقَ في سرابك،

أن تُلمّع صورتكَ في مرايا الآخرين،

وتترك حقيقتكَ تتآكل بصمت،

كجدارٍ أكلتهُ الرطوبةُ من الداخل

حتى ظنَّه الناسُ صلبًا… وهو آيلٌ للسقوط.

 

يا هذا…

ليس كل ارتفاعٍ مجدًا،

ولا كل صمتٍ قوة،

فبعضُ الصمتِ هروب،

وبعضُ الكبرياءِ خوفٌ مقنّع بثياب العظمة.

 

انظر الآن…

هل تسمع صدى خطاك؟

ذاك الفراغُ الذي يلاحقك ليس إلا

صوتَ القلوب التي فقدتْك

ولم تلتفتْ لغيابك.

 

الحبُّ لا يسكنُ القصور العالية،

بل يختبئ في زوايا التواضع،

ينمو في يدٍ تعطي دون حساب،

وفي قلبٍ يعرف أن العظمة

أن تُحب… دون أن تتكبّر.

 

أما أنا…

فسأبقى كما كنتُ،

نخلةً لا تنحني إلا للريح حين تعبر،

ثم تعودُ شامخةً

تُعانقُ السماءَ دون ادّعاء.

 

قد تركَ كبرياؤك ندبةً في روحي،

لكنها لم تُطفئ النور،

بل علّمتني أن الذهبَ لا يُصاغ إلا بالنار،

وأن القلبَ الذي يعرفُ الوفاء

لا يكسرهُ الغياب… بل يُهذّبه.

 

فامضِ في دربكَ إن شئت،

وتعلّم متأخرًا

أن من يفقد القلوب الصادقة…

لن تُعيدهُ كلُّ قممِ العالم إلى دفءِ إنسانٍ واحد.

 

وسأظلّ أنا…

نورًا لا ينطفئ،

وحكايةً لا يكتبها الغرور،

بل يخلّدها الصدق…

حين يعجزُ الكبرياء عن البقاء.