ميار عبد الراضي تكتب …
أنا فتاة في العشرينات من العمر… نظريًا، أما واقعيًا، فأشعر وكأنني في السبعين، أو ربما أكثر بقليل، فقد عرفتُ من التعب ما لا يعرفه غيري إلا بعد عمر طويل، لدي رصيد وافر من الأوجاع الجسدية والنفسية: ضغط عصبي متواصل، ذاكرة بدأت تتصرف من تلقاء نفسها، تساقط شعر بلا سابق إنذار، وآلام في العظام تجعلني أفكر جديًا في استخدام عصا أنيقة تناسب شبابي المُتداعي ….
أحيانًا أشعر وكأن هذه الحياة التي أعيشها ليست لي أصلًا… وكأنني ورثتها عن شخص آخر عاش بها دهورًا، ثم تركها لي وهي في حالة مستعملة ، كل شيء فيها يبدو مُستهلكًا: الطاقة، الحماسة، وحتى الضحكة تأتي مجهدة وكأنها تصعد سُلّماً داخليًا قبل أن تخرج.
أما عن شخصيتي الحالية… فحدّث ولا حرج، أعيش حالة غريبة من التناقض: لا أحب الخروج من المنزل، أشعر بالأمان في عالمي الصغير… ولكن إن اضطُررتُ للخروج، يتحول الأمر إلى متعة مفاجئة تجعلني لا أريد العودة، وكأنني أعيش في صراع دائم بين العُزلة والاندماج، بين رغبتي في الابتعاد عن الناس، واحتياجي الخفي لأن أكون بينهم.
الغريب أنني بدأت أفقد كثيرًا من ردود أفعالي الطبيعية… لم أعد أشعر بالشوق لأحد، لا أفتقد أحدًا، لا أنتظر رسالة من أحد، ولا أهتم إن اهتم أحد أم لا … أصبحت أكثر برودًا، أو دعوني أقول: أكثر هدوءًا… وهذا ما يجعلني أتساءل بجدية:
هل هذا هو النضج العاطفي والوعي المرتفع الذي يتحدثون عنه؟
أم أنه عرض جانبي من أعراض الفصام؟
لا أعلم، ولا أحاول حتى أن أجد إجابة.
لا أملك منطقة وسطى في تصرفاتي، إمّا أن أكون في أعلى درجات الحماس والطاقة وأبدو كآلة لا تتوقف عن الكلام والتفاعل، أو أكون على النقيض تمامًا: هادئة أكثر من اللازم، سرحانة في عالم خاص بي، وإذا كلمني أحد ربما أشير له بيدي فقط، وكأن الكلمات أصبحت رفاهية لا أستطيع توفيرها حاليًا.
الحقيقة؟
أنا لست مكسورة كما قد يتخيل البعض، ولست غريبة الأطوار كما قد يصفني آخرون…أنا فقط شخص نضج قبل أوانه، وفهم الحياة بشكل مبكر جدًا، حتى أصبح عاجزًا عن التفاعل معها بشكل عادي… أعيش حياة سبعينية داخل جسد عشريني، لكنني أستمر…وأُضحك نفسي أحيانًا، لأتذكّر أنني ما زلت أتنفس، ولو كانت أنفاسي تُصدر صوتًا، لقالت: أنا هنا… فقط بشكل مختلف.






المزيد
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم
عيد العمال: هل أصبح لدينا عمال لنحتفل بهم؟