حوار: رحمة محمد
موهبة الكتابة هي مِن أثمن المواهب، مهما تعدد ألوان الإبداع، ستظل لغة الضاد ينحصر بها الإبداع بأكملهُ، فهي اللغة التي مِن خلالها يمكنك إيصال فكرتك، ويمكنك تغيير عقليات كثيرة عبر قلمك، ويمكنك توسيع أفاق عقول كثيرة من خلال سرد قلمك الصادق، الذي ينقل كُل مَا هو صادق، نافع، يأبي بالنفع على المجتمع، موهبة اليوم هي موهبة تعددت الوان الفن، والإبداع، ورغم ذلك كان لإبداع الكتابة داخلها لون آخر تميزت به، ولاتزال تسعى، حديثنا اليوم هو عن الكاتبة”نجوى الطامي”
مزيج مِن الإبداع، والسعي إنحصر داخلها، لن أطيل الحديث، وهيا بنا فلنبدأ الحوار.
_سنبدأ حوارنا بالتعرف علىٰ الكاتبة نجوى الطامي.
أخبريني عن نشأتك، وعن تِلك البيئة التي تنتمي لها.
-أنا من أبناء محافظة الدقهلية، مواليد مدينة ميت غمر، التي تجمع بين الريف، والحضر، وتُعّد نموذجًا لقلب الريف المصري بأصالته، وحداثته في نفس الوقت، وبعد الحصول على شهادة الثانوية عشت عامين في المدينة الجامعية؛ للطالبات إلى أن انتقلت أسرتي للقاهرة،
ومكثتُ فيها؛ للدراسة، والعمل حتى مغادرتي مصر إلى لندن مع زوجي، حيث أعيش الآن.
_ هل انتقالك للندن كان لهُ تأثيرٌ عليكِ، مِن حيث البيئة، واختلاف الفِكر، والطباع، وهل شعرت بالغربة هناك؟
-لندن لها أثر كبير على كل من يعيش فيها، ونحن لم نهاجر اليها قاصدين، بل ذهبنا بعد أن أتاح لزوجي فرصة العمل في الصحافة، مع تأسيس جريدة الشرق الأوسط السعودية، وبمرور الوقت استقر بنا الحال هناك، وبحكم أني عملت لبضع سنوات في إذاعة صوت العرب بعد تخرجي، تقدمت لامتحانات العمل في بي بي سي، وحصلت على وظيفة مذيعة، ثم تدرجت في المناصب إلى كبيرة مذيعين، ومسؤولة قسم البرامج الثقافية، ولكني قررت التقاعد مع جائحة كورونا، وتفرغت لشغفي الأول وهو الكتابة الأدبية.
_هل كان لدراستك سببًا في هذا الشغف، وكيف استفدتِ منها في حياتك العملية؟
-الواقع أني كنت محظوظة؛ لأنني درست التاريخ، والآثار في كلية الآداب جامعة القاهرة، قبل إنشاء كلية الآثار، ومكنتني الدراسة من تعلم لغات جديدة، فأشهر كتب الآثار مدونة بالفرنسية، والألمانية، إلى جانب الإنجليزية؛ بالطبع مما دفعني لتعلم هذه اللغات، وصقل معرفتي بها، وهذا أسس لعملي في الإعلام وجعل متابعة أحداث العالم أمرًا يسيرًا.
_ذاكرتِ أنكِ التحقتِ بإذاعة صوت العرب في بداية مشوارك المهني، حدثينا عن عملك فيها، وكيف أفادك كمذيعة في البي بي سي.
-بالفعل التحقت بإذاعة صوت العرب، وكان العمل في الاذاعة عمومًا باختبارات شاقة، تبدأ بالترجمة، ثم اختبار المايكروفون، وأخيرًا المقابلة الشخصية، وأذكر أنني مثُلت في المقابلة الشخصية أمام الأستاذة صفية المهندس، والدكتور مهدي علام، وأستاذ اللغة العربية الكبير الدكتور كمال بشر، رحمهم الله، وعندما تم تعييني تدربت على يد الإعلامي الكبير أمين بسيوني، كل هذا ترك بصمة على شخصيتي الإذاعية، والحمد لله نجحت بسهولة في اذاعة بي بي سي عندما كانت في أوج مجدها.
_هل كان انقطاعكِ عن العمل الإذاعيّ سببًا في دخولك مجال الصحافة والكتابة؟
-بالعكس، أنا مولعة بالكلمة، واللغة العربية في أي شكل من أشكال التواصل بها مع البشر، سواء اذاعة، صحافة، أم كتابة اخبارية، أو أدبية، ولذلك تنوعت اهتماماتي في بداية مشوار الإعلامي، وكتبت في مجلة المجلة تحقيقات، ومقالات رأي لقاءات مع شخصيات مؤثرة، وأدبية، ولم أنقطع عن العطاء الأدبي حتى وراء الميكرفون، كان لي برامج تتعلق بدراسات الأدب الإنجليزي، ولقاءات إذاعية مع أدباء وفنانين اعتز بها إلى اليوم.
_هل ما يزال شغفك بالعمل الصحفي والإذاعي مستمرًا؟
-أجل، لا يزال موجود؛ ولكنه تبلور إلى ما كنت أتمنى أن أتفرغ له، ولم تُتح لي الفرصة من قبل، وهي الكتابة الإبداعية الأدبية، وكم يسعدني أن تقرأ فكرة قصة جديدة على ذهني لا أدري كيف، ولا من أين تأتي ثم تبدأ الشخصيات تتبلور، والأحداث تتضح وتتشابك، ولا أتوقف إلا وفي يدي قصة جديدة متكاملة الأطراف.
_عبر زياراتك لبلاد خارج مصر، ما الإختلاف الذي رأته عينك هناكَ، وهل كان لكِ إستفادة مِن هذه الرحلات، وكيف أثرت بك؟
-بحكم عملي، ومكوثي في الخارج، و لطبيعة عملي الإعلامي، زرت أغلب الدول العربية، والأوروبية، كما عملت في فترة من فترات حياتي في اذاعة صوت أميركا، في واشنطن العاصمة، وتجولت في الولايات الأمريكية المختلفة، كما فزت من مؤسسة أوناسيس بمنحة لدراسة احوال وطبيعة الجالية المسلمة في استراليا، وأصدرت بحث في هذا الموضوع، بعد أن تجولت في مدن الجنوب، إبتداءً من مدينة بيرث، مرورًا بأدليد، وملبورن، وسيدني، وبرزبن، هذه الأسفار المتعددة ملأت خزانة ذاكرتي بأشخاص، وأحداث أتمنى أن تخرج على هيئة كتابات، وحكايات يستفيد منّها القاريء.
_لقد صدر لك مجموعتان قصصيّتان هما “على باب الرجاء”، و” رفيقات التراويح”فكيف دلفت إلى عالم الكتابة القصصية؟
-أنا اكتب من صغري قصصًا، وأقاصيص، وفي العمل الإعلامي كنت دائمًا أكتب برامجي بنفسي، لذلك عندما تفرغت للكتابة الاحترافية تحولت أفكاري بسهولة إلى شخصيات تحيا؛ ولكن على الورق، وأعكف حاليا على كتابة روايتين الاولى مستمدة من الأحداث الدامية التي نشهدها في غزة الآن، والثانية قصة حب إنسانية تعالج موضوع الاسلاموفوبيا، أو ” التعصب ضد المسلمين” وأرجو أن تنال رضا القاريء، وتفتح مجالا للحوار العقلاني حول الموضوعين.
_حدثينا عن سلسلتك لكتب الأطفال، واليافعين، التي تُنشر علىٰ مواقع أمازون باللغة الإنجليزية، وعن رسالتهَا.
-هذه السلسلة تسمى “The Stories of the MoneyKind”
وأبطالها هم من النقود، سواء معدنية، أم ورقية، حيث تتحول قطعة النقود إلى شخصية حقيقية تشبه البشر، لها جسم، وعقل، ولسان تتكلم به، وتحكي تجربة، أو مشكلة، أو نقصًا فيها، وتشكو منه، ويخرج الطفل، واليافع من القصة بمغزى أخلاقي، مثلًا هناك قصة الجنيه الإسترليني المغرور، الذي يتباهى بشجرة السنديانة الخضراء، التي تزين صدره، ولكنه من شدة غروره ينعزل عن باقي النقود، فتبدأ شجرته في الجفاف، وفقدان أوراقها اليانعة، وينزوي ويندم على غروره إلى أن تمتلكه صبية فاقدة البصر، وتدرك بمجرد لمسه انهُ مختلف، وتبدأ علاقة صداقة جميلة بين الاثنين يتعلم خلالها أهمية التواضع، وهناك قصة عملة الكرونا النرويجية التي تشكو من وجود ثقب في بطنها، وتعتبر أنه لا داعي لهُ، إلى أن تكتشف فائدة الثقب،
وقصة رمضان، والقرش الأحمر عن طفل يسمى رمضان يعطيه أبوه قرشا أحمر؛ ليشتري فانوسا، ويكتشف القرش أن الطفل يغشّ والده ولا يصوم اليوم كله، ويلقنه القرش درسا في الأمانة، وهكذا،
وقد صدر من المجموعة حتى الآن إحدي عشرة قصة بالإنجليزية، ترجمتُ ونشرتُ القصة الأولى باللغة العربية وهي بعنوان “أبو طربوش وأبو عِمّة”. وأواصل الترجمة والنشر تباعا باذن الله.
_العُمر هو قطار يسير مُسرعًا، وإلىٰ أن يتوقف، لا يظل للإنسان سوىٰ العمل الصالح، فما هي رسالتك التي تودِين إيصالها؟
-“أن ليس للإنسان إلا ماسعى” كما تقول الآيةالقرآنية الكريمة، فالكلمة مسؤلية، وأن من حباه الله بنعمة الكتابة، يجب عليه أن يستخدمها في بث مكارم الأخلاق.
_هل حدث لكِ طوال مسيرتك الإبداعية وتعرضتِ للنقد؟
-كثيرًا، وأغلبه نقد بناء، والحمد لله، فأنا أؤمن بأن الكاتب ينبغي أن يكون الناقد الأول لنفسه قبل طرح فكره على الآخرين، وعمومًا أرحب بالنقد أيًا ما كان؛ فهو دليل على أن العمل حرك ذهن المتلقي سلبًا، أو إيجابًا.
_جميعنا نعلم جيدًا أن الدعم لو كان إيجابيا يمكّننا من الوصول الى السماء، ولكنه لو كان سلبيا فلن نتقدم في أي خطوة نخطوهَا، مَن كان داعمك مُنذ البداية؟
-زوجي، بارك الله فيه، فهو إعلامي، ويفهم، ويقدر متاعب المهنة، ومن قبله والدي رحمه الله، الذي اصطحبني في كل مشاوير التقدم، لامتحانات الاذاعة في شبابي، وكان دائمًا فخورًا بي.
_هل لديكِ قدوة في حياتكِ؟
-قدوتي هو الإنسان البسيط الكادح الذي يعمل ليعمّر الارض.
_هل بعد مشوارك المهني الطويل لا يزال لديك أحلامٌ لم تتحق بعد؟
-أن تتاح لي كتابة كل ما يموج من أفكار في ذهني، فهي بحاجة إلى عمر فوق أي عمر.
_مَا المقولة التي تؤمني بها، وتلمس قلبكِ.
-بيت الشاعر الكبير عبد الرحمن الشرقاوي:
الكلمة نور وبعض الكلمات قبور
_”الفشل هو بداية النجاح”
هل نجوى الطامي تعرضت من قبل للفشل؟
-بالتأكيد أنا إنسانة عادية، حاولت، واجتهدت لتحقيق أمنياتي وفشلت أحيانًا، ونجحت أحيانًا أخرى، وآخر ما فشلت فيه هو أن أقنع دار نشر بريطانية بنشر مجموعتي القصصية للأطفال، فلما توالت رسائل
الرفض، انتظمت في كورس لتعلم النشر الالكتروني، وبمساعدة رسام محترف، قمت بنشر القصص بنفسي على منصة أمازون، وهي تحقق اقبالاً معقولًا حتى الآن، المهم ألا يدفعنا الفشل إلى اليأس، والتخلي عن أحلامنا.
_وقبل نهاية حوارنا، يمكنك ترك رسالة للأجيال المقبلة، وكيف توجهي لهم نصيحتكِ عبر خبرتك العملية.
-الحياة قصيرة مهما طالت، وواجبنا تجاه أنفسنا أن نسعى فيها؛ فلهذا خلقنا الله سبحانه.
_قد وصلنا لنهاية حوارنا، لقد استمتعتُ حقًا بالحديث معكِ، كيف كان الحوار لكِ؟
-رشيق، ودقيق، من نوع السهل الممتنع الذي يكشف خبايا النفوس، وفي نفس الوقت يحافظ على أسرارها الشخصية. شكرًا لكِ على أسئلتك الذكية.
_أتركِ جملة لمجلة ايفرست الأدبية.
-أحيي مشروع دار ايفرست للنشر بأطرافه الكاملة، من نشر، وتسويق، وتعاون مع الكتاب خاصة الشباب، والصبايا منهم، وارجو لهم ولكم كل التوفيق.

كفت الأقلام عن السرد، وانتهى بنا بساط رحلتنا مع أستاذة”نجوى الطامي” نحو سردها لقصة كفاحها، ونجاح استمر، وسيظل مستمر، فإن الطموح ليس له نهاية؛ طالما نحيي، نتمنى لها التوفيق الدائم، وإلى اللقاء؛ حتى يأتي موعد اللقاء مع موهبة جديدة، لكل ما هو جديد تابعوا معنا أخبار المجلة، كانت معكم المحررة الصحفية: رحمة محمد.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب