ثمن النجاة
الأشياء التي خسرناها كي نستمر
الكاتب هانى الميهى
الفصل الثاني
الأحلام التي دفعناها مقدمًا
لا تموت كل الأحلام لأنها مستحيلة.
بعض الأحلام تموت لأنها جاءت في الوقت الخطأ.
وبعضها لا يموت أصلًا، بل يبقى حيًا في مكان ما داخلنا، يطل برأسه من حين لآخر، ليذكرنا بما كنا نريده يومًا قبل أن تنشغل بنا الحياة.
منذ الصغر، نرسم لأنفسنا صورة معينة للمستقبل. نحلم بحياة مختلفة، وأماكن نذهب إليها، وأشياء نريد تحقيقها. نعتقد أن الطريق واضح، وأن الوقت طويل، وأن الأحلام تنتظر أصحابها دائمًا. لكننا نكتشف مع الأيام أن الحياة لا تسير وفق الخطط التي وضعناها ونحن في بدايات الطريق.
فجأة تظهر مسؤوليات لم تكن في الحسبان. تتغير الظروف. تتبدل الأولويات. نجد أنفسنا مضطرين لاتخاذ قرارات لم نحلم بها يومًا. ليس لأنها الأفضل، بل لأنها الممكنة.
وهنا يبدأ الثمن.
ليس ثمن الفشل، بل ثمن الاستمرار.
كم من شخص كان يحمل حلمًا كبيرًا، ثم اضطر إلى وضعه جانبًا ليهتم بأسرته؟ وكم من فتاة كانت ترى نفسها في مكان مختلف تمامًا، ثم وجدت نفسها تسلك طريقًا آخر فرضته الظروف؟ وكم من إنسان أقنع نفسه مع الوقت أن ما يريده لم يعد مهمًا، فقط لأنه لم يعد قادرًا على الوصول إليه؟
المؤلم في الأحلام المؤجلة أنها لا ترحل بضجيج. لا تعلن نهاية وجودها. بل تتراجع خطوة بعد خطوة حتى تصبح بعيدة. ثم يأتي يوم نتذكرها فيه فجأة، فنشعر بشيء يشبه الحنين، أو ربما يشبه الفقد.
ليست المشكلة أننا لم نحقق كل أحلامنا. فالحياة لا تمنح أحدًا كل ما يريد. المشكلة أن بعضنا اضطر إلى التخلي عن أجزاء من نفسه كي يواصل الطريق. اضطر أن يختار بين ما يحبه وما يحتاج إليه. بين ما يتمناه وما يجب عليه فعله.
ومع مرور السنوات، يعتاد الإنسان ذلك. يعتاد التأجيل. يعتاد التنازل. يعتاد أن يضع نفسه في آخر القائمة. حتى يصبح الأمر طبيعيًا، وحتى ينسى أحيانًا أن هناك حلمًا كان يومًا جزءًا من روحه.
لكن الأحلام الحقيقية لا تختفي تمامًا.
تبقى في التفاصيل الصغيرة.
في شعور غامض عند رؤية شخص يعيش الحياة التي تمنيناها.
في حنين مفاجئ لمكان لم نزره.
في ألم خفيف حين نتذكر نسخة قديمة من أنفسنا كانت تؤمن بشيء مختلف.
ولهذا فإن بعض الأحلام لا تؤلمنا لأنها فشلت، بل لأنها لم تحصل على فرصة حقيقية لتُجرَّب. بقيت معلقة بين الرغبة والواجب، بين الإمكانية والظروف، حتى انتهى العمر أو تغيرت الاتجاهات.
ومع ذلك، ليست الحكمة أن نبقى أسرى لما لم يحدث. فالحياة لا تُعاش بالنظر المستمر إلى الطرق التي لم نسلكها. لكنها أيضًا لا تطلب منا أن ننكر ما فقدناه. الاعتراف بالأحلام التي ضحينا بها جزء من فهم رحلتنا، وجزء من فهم الثمن الذي دفعناه كي نستمر.
ربما لم نصل إلى كل ما أردناه.
وربما تأخرت بعض الأمنيات أكثر مما ينبغي.
لكن يبقى من حقنا أن نعترف أن هناك أشياء كانت تستحق أن نحزن عليها، لأنها لم تكن مجرد أهداف، بل كانت أجزاء من أنفسنا.
وهذا أحد أثمان النجاة التي لا يتحدث عنها كثيرون.
أن تنجو…
لكن بعد أن تدفع حلمًا كاملًا مقدمًا.
رسالة الفصل:
ليست كل الأحلام التي فقدناها دليلًا على ضعفنا، فبعضها كان الثمن الذي دفعناه لنواصل الطريق.
تمهيد الفصل القادم:
لكن الأحلام لم تكن وحدها ما تركناه خلفنا…
ففي منتصف الطرق الطويلة، وبين التجارب القاسية والسنوات المتغيرة، تركنا شيئًا آخر أكثر قربًا منا:
نسخًا قديمة من أنفسنا لم تعد موجودة كما كانت.
الفصل الثالث:
النسخة التي بقيت هناك






المزيد
خطوات بلا أثر بقلم إسراءحسن
قلب تعلم الصبر بقلم محمود عبدالله
حكّم عقلك بقلم سها مراد