مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من الداخل ينزف: أثر جروح الأهل النفسية على المرأة

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

ليس كل نزيفٍ يُرى بالعين المجردة؛ فثمة جروحٌ غائرة تنزف في صمتٍ تام، لا تضمدها الضمادات الطبية، ولا يوقف نزيفها أي دواء.

إنها الجروح التي تصنعها أيدٍ كان من المفترض أن تحتضن وتوفر الأمان، وألسنة كان من المفترض أن تربت وتمنح الطمأنينة.

وحين يكون الأذى قادماً من الداخل، من قلب البيت ومصدر الأمان الأول، يتضاعف الوجع. وحين تكون الضحية امرأة، يتحول هذا الوجع إلى نزيف داخلي يستمر لسنوات طويلة، وربما لعمرٍ كامل.

أولاً: طبيعة جرح الأهل

إن الجرح الذي يسببه الأهل يختلف عن سائر الجروح الإنسانية؛ لأنه يأتي من المصدر الذي يفترض به أن يكون الملجأ والدرع الحامي.

وقد يتجلى هذا الجرح في صورٍ متعددة، منها:

 الإهمال العاطفي: كإيصال رسائل غير مباشرة مثل: “أنتِ لستِ كافية” أو “ابن الجيران أفضل منكِ”.

 التقليل والتحقير: السخرية المستمرة من الشكل، أو الصوت، أو الموهبة، أو الحلم.

 المقارنة القاتلة: التي تزرع في النفس شعوراً دائماً وحاداً بالنقص.

 العنف اللفظي: كلماتٌ قاسية تُحفر في الذاكرة والوجدان أعمق من أثر أي ضربة جسدية.

إن المشكلة لا تكمن في الحدث ذاته فقط، وإنما في الرسالة الضمنية التي يحملها: “أنتِ غير مرغوبة، وغير محبوبة، وغير كافية”.

ثانياً: أثره النفسي والجسدي على المرأة تحديداً

تعد المرأة بحكم تكوينها النفسي والعاطفي أكثر تأثراً بهذا الجرح؛ لأنه يمس هويتها وقيمتها في مراحل التشكل الأولى من عمرها:

1. على مستوى الثقة بالنفس:

تكبر وهي تحمل صوت أهلها الناقد في داخلها. فكلما أنجزت شيئاً سألت نفسها بخوف: “ماذا لو قالوا إنه لا يكفي؟” فتصبح أسيرة لجلد الذات المستمر.

2. على مستوى العلاقات:

إما أن تبحث عن “منقذ” في كل شخص لتعوض النقص والجوع العاطفي، فتقع في علاقات مؤذية واستغلالية. وإما أن تشيد جداراً عالياً حول قلبها، فتخشى القرب تماماً؛ لأنها تعلمت مبكراً أن القرب يعني الألم.

3. على مستوى الأمومة:

قد تكرر النموذج المؤذي الذي تربت عليه دون وعي، أو على العكس تماماً، تصبح مفرطة في الحناء والحماية خوفاً من أن تشبههم. وفي الحالتين تكون منهكة ومستنزَفة.

4. على مستوى الجسد والأعراض العضوية:

يتحول هذا النزيف الداخلي إلى أعراض مرضية: قلق دائم، واكتئاب، واضطرابات في النوم، وأحياناً أمراض مناعية. فالجسد يصرخ ويعبر بما عجز اللسان عن التعبير عنه.

ثالثاً: لماذا يصعب التئام هذا الجرح؟

لأنه يُصنف اجتماعياً كـ “جرح مُقدّس”؛ إذ يطلب المجتمع من المرأة دائماً أن تبرّ، وأن تنسى، وأن تتجاوز قائلة: “معذرة، إنهم أهلي”.

فيُطلب منها أن تضمد جرحها النزاف بيدها، وأن تبتسم في وجه من جرحها. وهنا يتضاعف الألم: ألم الجرح الأصلي، وألم الإنكار المجتمعي للجرح.

رابعاً: هل من سبيلٍ للجبر والتعافي؟

نعم، وبكل تأكيد. إن الجرح قد لا يُنسى كلياً من الذاكرة، لكنه يمكن أن يلتئم ليترك ندبة صامتة لا تؤلم عند لمسها:

1. الاعتراف الشجاع: وأولى خطوات الشفاء هي تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية: “هذا كان أذى ونقصاً، وليس تربية”.

2. الفصل الذاتي: أن تدرك بوعي أن قيمتها واستحقاقها الإنساني لا يحدده رأي أهلها أو معاملتهم لها.

3. إعادة الأبوة النفسية (\bm{Reparenting}): أن تصبح هي الأب والأم الحنون لنفسها، فتمنح ذاتها الدعم والحب الذي حُرمت منه قديماً.

4. طلب المساندة: سواء أكانت عبر صديقة مخلصة، أم معالجة نفسية متخصصة، أم عبر الكتابة والتفريغ. فلا ينبغي مواجهة هذا النزيف بمفردها.

خاتمة ورسالة:

إن أخطر ما تفعله جروح الأهل أنها تجعل المرأة تشك في أهليتها واستحقاقها الفطري للحب والسلام.

ولكن تذكري دائماً: من كسركِ ليس إلهاً ليحدد قيمتكِ ومصيركِ.

ومن جرحكِ في الداخل، قادرٌ الله جل وعلا أن يجبركِ ويعيد بناء روحكِ من الداخل أيضاً.

قد يستمر النزيف فترة، لكنه حتماً لن يقتلكِ…

لأنكِ رغم كل الأذى والكسر ما زلتِ هنا… تتنفسين، وتكتبين، وتحاولين التعافي كل يوم.